تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٨٢
أنه لا يكون [١] .
الفصل الثاني
كونه تعالى مدلولاً عليه بالأُمور الظاهرة ؛ يعني أفعاله
ففي تفسير قوله عليه السلام : « ودَلّت عليه أعلام الظهور » . فنقول : إنّ الذي يستدلّ به على إثبات الصانع يمكن أن يكون من وجهين ؛ وكلاهما يصدق عليه أنه أعلام الظهور ، أحدهما : الوجود ، والثاني : الموجود . أمّا الاستدلال عليه بالوجود نفسه فهي طريقة المدقّقين من الفلاسفة ، فإنهم استدلّوا على أنّ مسمّى الوجود مشترك، وأنه زائد على ماهيّات الممكنات، وأنّ وجودَ الباري لا يصحّ أن يكون زائدا على ماهيّته، فتكون ماهيّته وجودا ؛ ولا يجوز أن تكون ماهيته عارية عن الوجود ؛ فلم يبقَ إلاّ أن تكون ماهيته هي الوجود نفسه، وأثبتوا وجوبَ ذلك الوجود، واستحالةَ تطرّق العدم إليه بوجه مّا، فلم يفتقروا في إثبات الباري إلى تأمّل أمْرٍ غير نفس الوجود . وأمّا الاستدلالُ عليه بالموجود لا بالوجود نفسه ؛ فهو الاستدلال عليه بأفعاله، وهي طريقة المتكلمين. قالوا: كلّ ما لم يُعْلَم بالبديهة ولا بالحسّ ؛ فإنما يُعلم بآثاره الصادرة عنه ؛ والباري تعالى كذلك ؛ فالطريق إليه ليس إلاّ أفعاله ، فاستدلّوا عليه بالعالَم ، وقالوا تارة : العالم محدَث وكلّ محدَث له محدِث . وقالوا تارة أُخرى : العالَم ممكِن ، فله مؤثّر . وقال ابن سينا : إنّ الطريقة الأُولى وهي الاستدلال عليه بالوجود نفسه أعْلَى وأشرف ؛ لأ نّه لم يحتج فيها إلى الاحتجاج بأمر خارج عن ذاته ، واستنبط آيةً من الكتاب العزيز في هذا المعنى ؛ وهي قوله تعالى : « سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاقِ وَفِي أنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّه الحَقُّ » [٢] .
[١] سورة الأنعام ٢٨ .[٢] أعرضنا عن نقل بقية الأقوال لوضوح بطلانها .[٣] سورة فصّلت ٥٣ .