تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٨٦
وقوله : « لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إلَى مَضَاجِعِهِمْ » [١] ، ومن قوله تعالى : « قلْ إنَّ الموتَ الَّذِي تَفِرّون مِنْهُ فإنهُ مُلاقِيكُمْ » [٢] ، وفي القرآن العزيز مثل هذا كثير . قوله : « والأجل مَسَاق النفس » أي الأمر الذي تساق إليه ، وتنتهي عندهم ، وتقف إذا بلغتْه فلا يبقى له حينئذٍ أكلة في الدنيا . قوله : « والهرب منه موافاتُه » ، هذا كلام خارج مخرج المبالغة في عدم النّجاة ، وكون الفرار غيرَ مغْنٍ ولا عاصم من الموت ، يقول : الهرب بعينه من الموت موافاة للموت ، أي إتيان إليه ، كأنه لم يرتض بأن يقول : الهارب لابدّ أن ينتهيَ إلى الموت ، بل جعل نفس الهرب هو ملاقاة الموت . قوله : « أبحثها » أي أكشفها ، وأكثر ما يستعمل « بحث » مُعَدّىً بحرف الجر ، وقد عدّاه هاهنا إلى « الأيام » بنفسه وإلى « مكنون الأمر » بحرف الجرّ . قوله : « فأبى اللّه إلاّ إخفاءه ، هيهات علم مخزون » ! تقديره : هيهات ذلك ! مبتدأ وخبره ، هيهات اسم للفعل ، معناه بعد ، أي علْم هذا الغيب علم مخزون مصون . قوله : « فاللّه َ لا تشركوا به شيئا » الرواية المشهورة « فاللّه َ » بالنصب ؛ وكذلك « محمداً » بتقدير فعل ؛ لأنَّ الوصية تستدعي الفعل بعدها ، أي وحّدُوا اللّه ، وقد روي بالرفع ؛ وهو جائز على المبتدأ والخبر . قوله : « أقيموا هذين العمودين ، وأوقدوا هذين المصباحين ، وخَلاَكم ذمّ ما لم تشرُدوا » ، كلام داخلٌ في باب الاستعارة ، شبّه الكتاب والسنّة بعمودَيِ الخيْمة ، وبمصباحَيْن يُستضاء بهما . وخَلاَكم ذمٌّ : كلمة جارية مجرى المثل ، معناها : ولا ذمّ عليكم ، فقد أعذرتمُ . وذمّ ، مرفوع بالفاعلية ، معناه : عَدَاكم وسقَط عنكم . قلت : مراده بقوله : « ما لم تشردوا » ما لم ترجعوا عن ذلك ، فكأنه قال : خلاكم ذمّ إن وحّدتم اللّه واتّبعتم سنة رسوله ، ودمتم على ذلك . قوله : « حمِّل كلّ امرئ مجهوده ، وخُفِّفَ عن الجهلة » ، هذا كلام متّصل بما قبله ؛ لأ نّه لما قال : « ما لم تشرُدُوا » أنبأ عَنْ تكليفهم كلّ ما وردت به السنّة النبوية ، وأن يدوموا عليه ؛ وهذا في الظاهر تكليفُ أُمورٍ شاقة ، فاستدرك بكلامٍ يدلّ على التخفيف ، فقال : إن التكاليف على قَدْرِ المكلّفين ، فالعلماء تكليفهم غير تكليف العامة ، وأرباب الجهل عند المكلفين غير مكلّفين ، إلاّ بحمل التوحيد والعدل ،
[١] سورة آل عمران ١٥٤ .[٢] سورة الجمعة ٨ .