تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢١٠
[ اختلاف الأقوال في خلق العالم ]
فأمّا قوله : « لم يخلق ما خلقَه لتشديد سلطانه » إلى قوله : « عباد داخرون » ، فاعلم أنّ الناس اختلفوا في حكمة خلقه تعالى للعالم ما هي ؟ على أقوال : [وقد أورد ابن أبي الحديد هنا أقوال غير المسلمين من فلاسفة وأصحاب ديانات ، كأرسطا طاليس ، وقدماء الفلاسفة ، والمجوس ، والمانوية ثم ذكر القول الخامس ، وهو لمتكلمي الإسلام] ، وهو على وجوه : أوّلهما : قول جمهور أصحابنا : إن اللّه تعالى إنما خلَق العالم للإحسان إليهم والإنعام على الحيوان ؛ لأنّ خلْقه حيّا نعمة عليه ، لأنّ حقيقة النعمة موجودة فيه ، وذلك أنّ النعمة هي المنفعة المفعولة للإحسان ، ووجود الجسم حيّا منفعة مفعولة للإحسان . وثانيها : قول قوم من أصحابنا البغداديّين : إنه خلَق الخلْق ؛ ليُظهِرَ به لأربابِ العقول صفاتِه الحميدة ، وقدرتَه على كلّ ممكن ، وعلمَه بكلِّ معلوم ؛ وما يستحقّه من الثناء والحمد . قالوا : وقد ورد الخبر أنه تعالى قال : « كنتُ كنزا لا أُعرَف ، فأحببت أن أُعرَف » ؛ وهذا القول ليس بعيدا . وثالثها : للمجبِّرة : إنه خلق الخلْق لا لغرض أصلاً ؛ ولا يقال : لم كان كلّ شيء لعلة ، ولا علة لفعله . ورابعها : قول بعضِ المتكلّمين : إنّ البارئ تعالى إنما فعل العالم لأ نّه ملتذٌّ بأنْ يفعل ، وأجاز أربابُ هذا القول عليه اللذّة والسرور والابتهاج . وأمّا قوله عليه السلام : « لم يحلُل في الأشياء ، فيقال : لا هو فيها كائن ولا منها مباين » ، فينبغي أن يحمَل على أ نّه أرادَ أ نّه لم ينْأَ عن الأشياء نأيا مكانيا فيقال : هو بائن بالمكان ، هكذا ينبغِي أن يكون مراده ؛ لأ نّه لا يجوز إطلاقُ القول بأنّه ليس ببائن عن الأشياء ؛ وكيف والمجرّد بالضرورة بائن عن ذي الوضع ؛ ولكنها بينونة بالذات لا بالجهة . والمسلمون كلُّهم متفقون على أ نّه تعالى يستحيل أن يحلّ في شيءٍ . فأمّا قولُه عليه السلام : « لم يؤدْهُ خَلْق ما ابتدأ » إلى قوله : « عَمّا خلَق » ، فهو حقّ ؛ لأ نّه تعالى قادر لِذاته ، والقادر لذاته لا يتعب ولا يعجَز ؛ لأ نّه ليس بجسم ، ولا قادر بقدرة يقف مقدورها عند حَدّ وغاية ، بل إنما يقدر على شيء لأ نّه تعالى ذات مخصوصة ، يجب لها أن تقدر على الممكِنات ؛ فيكون كلّ ممكن داخلاً تحت هذه القضيّة الكلية ؛ والذات التي تكون