تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٥٦
. فَمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى عَزَبَتْ عَنْهُ الشَّدَائِدُ بَعْدَ دُنُوِّهَا ، وَاحْلَوْلَتْ لَهُ الْأُمُورُ بَعْدَ مَرَارَتِهَا ، وَانْفَرَجَتْ عَنْهُ الْأَمْوَاجُ بَعْدَ تَرَاكُمِهَا ، وَأَسْهَلَتْ لَهُ الصِّعَابُ بَعْدَ إِنْصَابِهَا ، وَهَطَلَتْ عَلَيْهِ الْكَرَامَةُ بَعْدَ قُحُوطِهَا ، وَتَحَدَّبَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بَعْدَ نُفُورِهَا ، وَتَفَجَّرَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ بَعْدَ نُضُوبِهَا ، وَوَبَلَتْ عَلَيْهِ الْبَرَكَةُ بَعْدَ إِرْذَاذِهَا . فَاتَّقُوا اللّه َ الَّذِي نَفَعَكُمْ بَمَوْعِظَتِهِ ، وَوَعَظَكُمْ بِرِسَالَتِهِ ، وَامْتَنَّ عَلَيْكُمْ بِنِعْمَتِهِ . فَعَبِّدُوا أَنْفُسَكُمْ لِعِبَادَتِهِ ، وَاخْرُجُوا إِلَيْهِ مِنْ حَقِّ طَاعَتِهِ .
الشّرْحُ :
الشِّعار : أقرب إلى الجَسَد من الدِّثار . والدّخيل : ما خالط باطنَ الجسد ، وهو أقرب من الشعار . ثم لم يقتصر على ذلك حتى أمر بأن يجعل التقوى لطيفاً بين الأضلاع ، أي في القلب ، وذلك أمسّ بالإنسان من الدخيل ، فقد يكون الدّخيل في الجسد وإن لم يخامر القلب . ثم قال : « وأميراً فوق أُموركم » ، أي يحكُم على أُموركم كما يحكم الأمير في رعيّته . والمنهل : الماء يرِده الوارد من الناس وغيرهم . وقوله : « لحين ورودكم » ، أي لوقت ورودكم . والطَّلِبة بكسر اللام : ما طلبته من شيء . قوله : « ومصابيح لبطون قبوركم » ، جاء في الخبر : إنّ العمل الصالح يضِيء قبرَ صاحبه كما يضيء المصباح الظلمة . والسّكن : ما يسكن إليه . قوله : « ونَفَسا لكرب مواطنكم » ، أي سعَة ورَوْحاً . ومكتنفة : محيطة . والأُوَار : حرّ النار والشمس . وعَزَبت : بُعدت . واحلولت : صارت حلوة . وتراكُمها : اجتماعها وتكاثُفها . وأسهلت : صارت سهلة . بعد إنصبابها ، أي بعد إتعابها لكم ؛ أنصبته : أتعبته . وهطلت : سالت . وقحوطها : قلّتها ووَتاحتها . وتحدّبت عليه : عطفت وحَنَت . نضوبها : انقطاعها ، كنضوب الماء : ذهابه . ووبلَ المطر : صار وابلاً ، وهو أشدّ المطر وأكثره . وإرذاذها : إتيانها بالرَّذاذ وهو ضعيف المطر . قوله : « فعبِّدوا أنفسكم » ، أي ذللوها ، ومنه طريق معبّد . وأخرجوا إليه من حقّ طاعته ، أي أدّوا المفتَرَض عليكم من العبادة ، يقال : خرجت إلى فلانٍ من دَيْنه ، أي قضيته إياه .