تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥١٦
السارق ، وأمّا الباطن فلأنّ مَنْ طلَب العلم من غير أستاذ محقّق فلم يأتِهِ من بابه ؛ فهو أشبه شيء بالسارق . واعلم أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لو فخرَ بنفسه ، وبالغ في تعديد مناقبه وفضائله بفصاحته ؛ التي آتاه اللّه تعالى إياها ، واختصّه بها ، وساعده على ذلك فُصحاء العرب كافّة ؛ لم يبلغوا إلى معشار ما نطق به الرسول الصادق صلوات اللّه عليه في أمره ؛ ولستُ أعني بذلك الأخبارَ العامّة الشائعة التي يحتجّ بها الإماميَّة على إمامته ، كخبر الغدير ، والمنزلة ، وقصّة براءة ، وخبر المناجاة ، وقصّة خيبر ، وخبر الدار بمكة في ابتداء الدعوة ، ونحو ذلك [١] ، بل الأخبار الخاصّة التي رواها فيه أئمة الحديث ، التي لم يحصل أقلّ القليل منها لغيره ؛ وأنا أذكر من ذلك شيئاً يسيراً مما رواه علماء الحديث الذين لا يُتَّهمون فيه ، وجلّهم قائلون بتفضيل غيره عليه ، فروايتهم فضائلَه توجب من سكونِ النفس ما لا يوجبه رواية غيرهم . [ثم إن ابن أبي الحديد ذكر ٢٤ حديثا عن أئمة الحديث عندهم ، نكتفي منها بثلاثة أحاديث تعكس منزلة الإمام عليه السلام وعظمته وحقّانيّته ومظلوميّته عليه السلام ] : الخبر التاسع : « يا أنَس ، اسكب لي وضوءا » ، ثم قام فصلّى ركعتين ، ثم قال : « أوّل من يدخل عليك من هذا الباب إمام المتّقين ، وسيّد المسلمين ، ويعسوب الدين ، وخاتم الوصيين وقائد الغرّ المحجّلين » . قال أنس : فقلت : اللّهمّ اجعله رجلاً من الأنصار ، [وكتمت] دعوتي ، فجاء عليّ ، فقال : صلى الله عليه و آله وسلم : « مَنْ جاء يا أنس » ؟ فقلت : عليّ ؛ فقام إليه مستبشرا ، فاعتنقه ، ثم جعل يمسحُ عرق وجهه . فقال عليّ : يا رسول اللّه ، صلّى اللّه عليك وآلك ؛ لقد رأيت منك اليوم تصنع بي شيئا ما صنعته بي قبل ! قال : « وما يمنعني وأنت تؤدّي عني ، وتُسمعُهم صوتي ، وتُبيِّن لهم ما اختلفوا فيه بعدي ! » . رواه أبو نعيم الحافظ في « حلية الأولياء » . والخبر الرابع عشر : « كنت أنا وعليّ نورا بين يدي اللّه عزّوجلّ قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام ، فلما خَلَق آدم قسّم ذلك فيه وجعله جزأين ، فجزء أنا ، وجزء عليّ » .
[١] سورة البقرة ١٨٩ .[٢] لعل ابن أبي الحديد أراد أن يوهم القارئ بأنّ الأخبار الدالة على إمامته عليه السلام والتي عدّد قسماً منها ، كحديث الغدير ، والمنزلة ، وقصّة براءة ، وخبر المناجاة ، وقصّة خيبر ، وخبر الدار بمكة في ابتداء الدعوة ، ونحو ذلك ، والتي يحتجّ بها الإمامية على إمامته عليه السلام ، أراد أن يوهم أنها لم يروها أئمة حديث أهل السنّة . بلى ، فقد رووها ورووا غيرها من الأحاديث الأربعة والعشرين التي أوردها هنا .[٣] سورة يونس ٣٥ .