تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٥٢
تصريح بأنّ الراحة في الحياة التي تتعقّب الموت ؛ وهي حياة الأبد ، فلا منافاة إذا بين هذه الوجوه وبين ما قاله عليه السلام ؛ لأ نّه ما نفى إلاّ الرّاحة في الموت نفسه ؛ لا في الحياة الحاصلة بعده . وأمير المؤمنين قال : ما مِنْ شيء من الملذّات إلاّ وهو مملول إلاّ الحياة ، وبين الملذّ والمخلص من الألم فرْقٌ واضح ؛ فلا يكون نقضا على كلامه . فأمّا قوله عليه السلام : « وإنما ذلك بمنزلة الحكمة » ، إلى قوله : « وفيها الغنى كلّه والسلامة » ، ففصل آخر غير ملتئم بما قبله ؛ وهو إشارة إلى كلام من كلام رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم رواه لهم ، ثم حضّهم على التمسّك به ، والانتفاع بمواعظه ، وقال : إنّه بمنزلة الحكمة التي هي حياة القلوب ، ونور الأبصار ، وسَمْع الآذان الصمّ ، ورِيّ الأكباد الحرّى ؛ وفيها الغنى كلّه ، والسلامة ؛ والحكمة المشبَّه كلام الرسول صلى الله عليه و آله وسلم بها هي المذكورة في قوله تعالى : « وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرا كَثِيرا » [١] ، وفي قوله : « وَلَقَدْ آتيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ » [٢] ، وفي قوله : « وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّا » [٣] وهي عبارة عن المعرفة باللّه تعالى ، وبما في مبدعاته من الأحكام الدالّة على علمه ؛ كتركيب الأفلاكِ ، ووضع العناصر مواضعَها ، ولطائف صنعة الإنسان وغيره من الحيوان ، وكيفية إنشاء النبات والمعادن ، وما في العالم من القوى المختلفة ، والتأثيرات المتنوعة ؛ الراجع ذلك كلُّه إلى حكمة الصانع وقدرته وعلمه ، تبارك اسمه! فأمّا قوله : « وكتابُ اللّه » ، إلى قوله : « ولا يخالف بصاحبه عن اللّه » ، ففصل آخر مقطوع عَمّا قبله ، ومتّصل بما لم يذكره جامع « نهج البلاغة » . فإن قلتَ : ما معنى قوله : « ولا يختلف في اللّه ، ولا يخالف بصاحبه عن اللّه » ؟ وهل بين هاتيْن الجملتيْن فرق؟ قلت : نعم ، أمّا قوله : « ولا يختلف في اللّه » ، فهو أنه لا يختلف في الدلالة على اللّه وصفاته ، أي لا يتناقض ، أي ليس في القرآن آيات مختلفة يدلُّ بعضُها عَلَى أ نّه يعلم كلّ المعلومات مثلاً ، وتدلّ الأُخرى على أ نّه لا يعلم كلّ المعلومات ؛ أو يدلّ بعضها على أ نّه لا يرى ، وبعضها على أ نّه يرى ، وليس وجودنا للآيات المشتبهة بقادح في هذا القول ؛ لأنّ آيات الجبر والتشبيه لا تدلّ ، وإنما توهِم ؛ ونحن إنّما نفينا أن يكون فيه ما يدلّ عَلَى الشيء
[١] سورة البقرة ٢٦٩ .[٢] سورة لقمان ١٢ .[٣] سورة مريم ١٢ .