تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٦٤
مقصدا واحدا . فالفصل الأول : وهو من أول الكلام إلى قوله : « واستبددت برهانها » ، يذكُر فيه مقاماتِه في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أيامَ أحداث عثمان ، وكَوْن المهاجرين كلّهم لم ينكِروا ولم يُواجِهوا عثمانَ بما كان يواجِههُ به وينهاه عنه ؛ فهذا هو معنى قوله : « فقمت بالأمر حين فَشِلوا » ، أي قمت بإنكار المنكر حين فشل أصحاب محمد صلى الله عليه و آله عنه . والفَشَل : الخَوَر والجُبْن . قال : « ونطقتُ حين تعتعوا » ، يقال : تعتع فلان ؛ إذا تردّد في كلامه من عِيّ أو حَصَر . قوله : « وتطلّعتُ حين تقبّعوا » ، امرأةٌ طُلَعةٌ قُبَعةٌ ، تَطلع ثم تقبَع رأسها ، أي تدخله كما يقبَعُ القنفذُ ، يدخُل برأسه في جلده ، وقد تقبّع الرجُل ، أي اختبأ ، وضدّه تطلّع . قوله « وكنت أخفضَهم صوتاً ، وأعلاهم فَوْتا » يقول : علوتُهم وفتّهم وشأوتهم سَبْقا ، وأنا مع ذلك خافِض الصوت ، يشير إلى التّواضع ونفي التكبّر . قوله : « فطرت بعنانها ، واستبددت برهانها » ، يقول : سبقتهم ، وهذا الكلامُ استعارة من مُسابقة خَيْل الحلبة . واستبددت بالرهان ، أي انفردت بالخَطَر ، الذِي وقع التراهُنُ عليه . الفصل الثاني : فيه ذكر حالِه عليه السلام في الخِلافة بعد عثمان ، يقول : كنتُ لمّا وَلِيتُ الأمر كالجبل لا تحرّكُه القواصِف ، يعني الرياح الشديدة ، ومثله العواصف . والمهمز : موضع الهمز ؛ وهو العيب ، وكذاك المغمز . ثم قال : « الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له ، والقويّ عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه » ؛ هذا آخر الفصل الثاني ، يقول : الذليل المظلوم أقُوم بإعْزازه ونَصْره ، وأُقوّي يدَه إلى أن آخذ الحقّ له ، ثم يعود بعد ذلك إلى الحالة التي كان عليها قبل أن أقومَ بإعزازه ونصره ، والقويّ الظالم أستضعِفه وأقهَرُه وأذلّه إلى أن آخذَ الحقَّ منه ، ثم يعود إلى الحالة التي كان عليها قَبْل أن أهتضِمَه لاستيفاء الحق . الفصل الثالث : من قوله : « رضينا عن اللّه قضاءَه » ، إلى قوله : « فَلا أكونُ أوّلَ مَنْ كذَب عليه [١] » ؛ هذا كلامٌ قاله عليه السلام لمّا تفرّس في قوم من عَسْكره أنّهم يتّهمونه فيما يخبرهم به عن
[١] هذه الجملة غير مرتبطة بالتي قبلها ، وأن ما قبلها غير مرتبط بسابقه ، ولا ريب أنّ السيد الرضي اقتطعها من خطبة واحدة أو متعددة ، فأُشكل معناها ، واللّه العالم . « الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ، في تعليقته على شرح النهج لمحمد عبده » .[٢] إنّه عليه السلام إنّما لم يُعلن الحرب على من اغتصب حقّه في الخلافة ؛ لأنّ النبي صلى الله عليه و آله وسلم أوصاه بالصبر وعدم المقاومة ، وليس في وسعه إلاّ أن يسمع ويطيع ، لأنّ طاعة رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم أمانة في عنقه . كما أن في صبره وقعوده مصالح ، منها ما ذكره المدائني من قوله عليه السلام : « وايم اللّه لولا مخافة الفرقة بين المسلمين ، وأن يعود الكفر ، ويبور الدين ؛ لكنّا على غير ما كنّا لهم » . شرح ابن الحديد : ١/٣٠٧ . شرح الخطبة ٢٢ . وهناك مصالح ذكر بعضها الشيخ المفيد ؛ ، منها : إنّ الإمام المعصوم من الخطأ والزلل لا اعتراض عليه في قيامه وقعوده . وثانيا : أنّه عليه السلام علم أن في المخالفين من يرجع عن الباطل إلى الحق بعد مدة فكان ترك قتله مصلحة . وثالثا : يمكن أن يكون شفقة منه على ولده وشيعته أن يصطلموا فينقطع نظام الإمامة . رسائل الشيخ المفيد : ص١٨٢ .[٣] أقول : إن ابن أبي الحديد إن كان صادقا فيما يدعيه من أن رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم أمره بترك المنازعة ، وأمره بالبيعة للقوم ، وأنّ تقدمهم عليه لمصلحة ترجع إلى الدين . فما يقول فيما تواتر عنه عليه السلام واشتهر ، وصحّ عند ابن أبي الحديد نفسه من امتناعه عليه السلام من البيعة ستة أشهر حتى ماتت فاطمة ، ومن استصراخه بالأحياء والأموات طلبا لنصرته ، ومخاطبته لرسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم : « يا ابن ام إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني » ، وقوله عليه السلام : « لو كان لي أربعون ذوو عزم ...» ، وقوله عليه السلام : « فطفقت ارتئي بين أن أُصول بيد جذّاء ... » ، وقوله عليه السلام : « ما زلت مظلوما منذ قبض اللّه نبيّه حتى يوم الناس هذا » ، وقوله عليه السلام : « ما زلت مدفوعا عن حقي مستأثرا عليّ ... » ؟ فهل هذه الأقوال والأفعال توافق ما ذكره ابن أبي الحديد من تركه عليه السلام للمنازعة بعهد عهده رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وبالمبايعة للقوم وإعلامه بأنّ المصلحة في تقدّم غيره عليه ، وإلاّ فهو يخالف عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلموعصيان أمره ؟ فعلي عليه السلام لم يمسك ولم يغضّ ، وتركه عليه السلام للقتال لا يدل على الرضا . بل لعذر ، وقد صرّح به في غير موطن . وقد مرّ ذكر بعضها .