تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٠٢
. لَأَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ . وَقَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً ، كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ ، وَلَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ . وَمَا عَلَيَّ إِلاَّ الْجُهْدُ ، وَلَوْ أَشاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ : عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَفَ!
الشّرْحُ :
المخلد : المائل إليها ، قال تعالى : « وَلكِنَّهُ أخْلَدَ إلَى الأَرْضِ » [١] . ولا تنفس بمن نافس فيها : لا تضنّ به ، أي من نافس في الدنيا فإنّ الدنيا تهينه ولا تضنّ به ، كما يضنّ بالعلْق النفيس . ثم قال : « وتغلب مَنْ غلَب عليها » ، أيْ مَنْ غلَب على الدنيا مقاهرة فسوف تغلبه الدنيا وتهلكه . ثم أقسم إنه ما كان قوم في غَضّ نعمة أي في نعمة غضة ، أي طريّة ناضرة ، فزالت عنهم إلاّ بذنوب اجترحوها ، أي اكتسبوها . ثم قال عليه السلام : لو أنّ الناس عند حلول النّقم بهم وزوال النعم عنهم يلتجئون إلى اللّه تعالى تائبين من ذنوبهم ؛ لرفع عنهم النقمة ، وأعاد إليهم النعمة . والولَه ، كالتحيّر يحدث عند الخوف أو الوجد . والشارد : الذاهب . قوله : « وإنّي لأخشى عليكم أن تكونوا في فترة » ، أي في أمر جاهليّة لغلَبَة الضلال والجهل على الأكثرين منهم . وهذه خطبة خطب بها عليه السلام بعد قتل عثمان في أوّل خلافته عليه السلام ، وقد تقدّم ذكر بعضها ، والأُمور التي مالوا فيها عليه : اختيارهم عثمان ، وعدولهم عنه يوم الشّورى [٢] . وقال : «لئن ردّ عليكم أمركم » أي أحوالكم التي كانت أيام رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم مِنْ صلاح القلوب والنيّات إنّكم سعداء . والجُهد بالضمّ : الطاقة . ثم قال : لو أشاء أن أقول لقلت ، أي لو شئت لذكرتُ سبب التحامل عليّ وتأخري عن غيري ؛ ولكني لا أشاء ذلك ، ولا أستصلح ذكره . ثم قال : « عفا اللّه عما سلف » لفظ مأخوذ من الكتاب العزيز « عَفَا اللّه ُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَينْتَقِمُ اللّه ُ مِنْهُ واللّه ُ عَزِيزٌ ذُو انتقَامٍ » [٣] .
[١] سورة الأعراف ١٧٦ .[٢] لم يصرّح الإمام عليه السلام بتلك الأُمور . ورأي ابن أبي الحديد ، اختيار عثمان يوم الشورى ، وقال آخر : إنّه إشارة إلى يوم السقيفة . وأمّا قوله عليه السلام : ( عفا اللّه عما سلف ) ، يريد به رجالاً كانوا منحرفين عنه أيام الخلفاء الثلاثة ، ورجعوا إليه عليه السلام في أيام خلافته ، وهم جمع كثير ، ذكرهم الكشي في اختيار معرفة الرجال : ص٣٨ رقم ٧٨ .[٣] سورة المائدة ٩٥ .