تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٦٤
لِتَشْقَى » [١] . وروي : أنه عليه السلام قام حتى تورّمت قدماه مع التبشير له بالجنة . وروي : أنه قيل له في ذلك . فقال : « أفلا أكونُ عبداً شكوراً ! » . ويُصبر نفسه : من الصبر ، ويروى : « ويَصْبر عليها نفسه » ، أي يحبس ، قال سبحانه : « واصْبِر نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ » [٢] واعلم أنّ الصلاة قد جاء في فضلها الكثير الذي يُعجزنا حصره ، ولو لم يكن إلاّ ما ورد في الكتاب العزيز من تكرار ذكرها وتأكيد الوصاية بها والمحافظة عليها ، لكان بعضه كافيا ، وقال النبي صلى الله عليه و آله وسلم : « الصلاة عمود الدين ، فمن تركها فقد هَدَم الدين » . قوله عليه السلام : « قرباناً لأهل الإسلام » ، القربان : اسم لما يتقرّب به من نَسِيكة أو صدقة . وروى : « ومن النار حجازاً » بالزاي ، أي مانعاً . واللَّهف : الحسرة ، ينهى عليه السلام عن إخراج الزكاة مع التسخّط لإخراجها والتلهف والتحسّر على دفعها إلى أربابها ، ويقول : إنّ من يفعل ذلك يرجو بها نَيْل الثّواب ضالّ مضيِّع لماله ، غير ظافر بما رجاه من المثوبة . وقد جاء في فضل الزكاة الواجبة وفضل صدقة التطوّع الكثير جدا ، ولو لم يكن إلاّ أنّ اللّه تعالى قرنها بالصلاة في أكثر المواضع التي ذكر فيها الصلاة لكفى . وروى بريدة الأسلميّ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم قال : « ما حَبَس قومٌ الزّكاة إلاّ حبس اللّه عنهم القَطْر » . قوله عليه السلام : « ثم أداء الأمانة » ، هي العقد الذي يلزم الوفاء به ، وأصحّ ما قيل في تفسير الآية أنّ الأمانة ثقيلة المحمل ؛ لأنّ حاملها معرّض لخطر عظيم ، فهي بالغة من الثقل وصعوبة المحمل ما لو أنّها عرضت على السماوات والأرض والجبال لامتنعت من حملها . فأمّا الإنسان فإنّه حمَلها وألزم القيام بها . وليس المراد بقولنا : إنها عرِضت على السماوات والأرض ، أي لو عرضت عليها وهي جمادات ، بل المراد تعظيم شأن الأمانة ، كما تقول : هذا الكلام لا يحمله الجبال . وقوله تعالى : « قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ » [٣] . ومذهب العرب في هذا الباب وتوسّعها ومجازاتها مشهور شائع .
[١] سورة طه ٢ .[٢] سورة الكهف ٢٨ .[٣] سورة فصلت ١١ .