تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٢٨
.ومن كلام له عليه السلام لمّا عزموا على بيعة عثمان تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَزِبْرِجِهِ .
الشّرْحُ :
نافست في الشيء مُنافسة ونِفاسا ؛ إذا رغبتَ فيه على وجه المباراة في الكرم ، وتنافسوا فيه ، أي رغبوا . والزّخرف : الذهب ، ثم شبه به كل مموّه مزوّر ، قال تعالى : « حَتَّى إذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها » [١] والمزخرف : المزيّن . والزِّبرج : الزينة من وشيٍ أو جوهر ، ونحو ذلك . ويقال : الزبرج الذهب أيضا . يقول لأهلِ الشورى : إنكم تعلمون أنّي أحقّ بالخلافة من غيري ، وتعدلون عَنّي . ثم أقسم لَيُسْلِمَنَّ وليتركَنّ المخالفة لهم ، إذا كان في تسليمه ونزوله عن حَقِّه سلامةُ أُمور المسلمين ، ولم يكن الجوْرُ والحيْفُ إلاّ عليه خاصة ، وهذا كلام مثله عليه السلام ، لأ نّه إذا علم أو غلَب عَلَى ظنه أنه إن نازَع وحارَب دخل على الإسلام وَهَن وَثَلْم ، لم يَخْتَرْ له المنازعة وإن كان يطلب بالمنازعة ما هو حق ؛ وإن عَلِم أو غلَب على ظنّه بالإمساك عن طلب حقه أنما يدخل الثّلْم والوَهَن عليه خاصة ، ويسلم الإسلامُ من الفتنة ، وَجَب عليه أنْ يُغضِيَ ويصبر على ما أتوْا إليه من أخذ حقّه ، وكفّ يده ؛ حراسة للإسلام من الفتنة . فإن قلت : فهلاّ سلّم إلى معاوية وإلى أصحاب الجَمل ، وأغضَى على اغتصاب حَقّه حفظا للإسلام من الفتنة؟ قلت : إنّ الجورَ الداخل عليه من أصحاب الجمل ومن معاوية وأهل الشام ، لم يكن مقصورا عليه خاصّة ؛ بل كان يعمّ الإسلام والمسلمين جميعا ؛ لأنهم لم يكونوا عنده ممن يصلُح لرياسة الأُمّة وتحمّل أعباء الخلافة ، فلم يكن الشَّرْط الذي اشترطه متحقّقا ، وهو قوله : « ولم يكن فيه جَوْر إلاّ عليّ خاصة » . وهذا الكلام يدلّ على أ نّه عليه السلام لم يكن يذهب إلى أنّ خلافة عثمان كانت تتضمّن جورا على المسلمين والإسلام ، وإنّما كانت تتضمّن جورا عليه خاصّة ، وأنّها وقعت على جهة مخالفة الأَولى ؛ لا على جهة الفساد الكلي والبطلان الأصلي [٢] . وهذا محض
[١] سورة يونس ٢٤ .[٢] كيف لا يتصوّر وقوع الجور على المسلمين إذا كانت نتيجة الشورى صعود سدة الحكم وكرسي الخلافة أحد هؤلاء المتنافسين على زخرف الدنيا وزبرجها ؟ وكيف كانت بيعة عثمان صحيحة ؟ وهي تتضمن الجور عليه ؛ لأنهم أكرهوه عليه السلام وأرادوا قتله ، كما أنّها تضمنت مفاسد عظيمة من ركوب بني أُميّة ـ أمثال مروان والوليد وغيرهما ـ رقاب المسلمين والعبث بمقدراتهم ، فكانت أُمور المسلمين غير سالمة ، لمنافاة سياسة الخليفة نفسه للكتاب والسنّة ؛ فمن الطبيعي أن لا يسكت الإمام عليه السلام على هذه السياسة .