تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٧٠
طاعته ، ولو أُمِرَتا بغير ذلك لفعلتاه . والكلام مجاز واستعارة ؛ لأنّ الجماد لا يؤمر ، والمعنى أنّ الكل مسخّر تحت القدرة الإلهية ، مرادُه تمهيدُ قاعدةِ الاستسقاء ، كأنه يقول : إذا كانت السماء والأرض أيام الخصْب والمطر والنّبات لم يكن ما كان منهما محبّة لكم ، ولا رجاء منفعةٍ منكم ؛ بل طاعة الصانع الحكيم سبحانه فيما سخّرَهما له ، فكذلك السماء والأرض أيام الجدْب وانقطاع المطر وعدم الكلأ ، ليس ما كان منهما بغضا لكم ، ولا استدفاعَ ضررٍ يُخاف منكم ، بل طاعة الصانع الحكيم سبحانه فيما سخّرَهما له ، وإذا كان كذلك فبالحري ألاّ نأمل السماء ولا الأرض ، وأن نجعل آمالنا معلّقة بالملك الحقّ المدبّر لهما ، وأن نسترحِمَه وندعُوَه ونستغفرَه ، لا كما كانت العرب في الجاهلية يقولون : مُطِرنا بنوْء كذا ، وقد سَخِط النَّوء الفلانيّ على بني فلان فأمحلوا . ثم ذكر عليه السلام أنّ اللّه تعالى يبتلي عبادَه عند الذنوب بتضييق الأرزاق عليهم ، وحبس مطر السماء عنهم ؛ وهو معنى قوله : « ليتوب تائب ... » ، إلى آخر الكلمات . ويُقلع : يكفّ ويمسِك . ثم ذكر أنّ اللّه سبحانه جعل الاستغفار سببا في دُرور الرزق ، واستدلّ عليه بالآية التي أمر نوح عليه السلام فيها قومه بالاستغفار ؛ يعني التوبة عن الذنوب ، وقدّم إليهم الموعِد بما هو واقع في نفوسهم ، وأحبّ إليهم من الأُمور الآجلة ، فمنّاهم الفوائد العاجلة ، ترغيبا في الإيمان وبركاته ، والطاعة ونتائجها . فأمّا كون الاستغفار سببا لنزول القطْر ودرور الرزق ، فإنّ الآية بصريحها ناطقة به ؛ لأنّها أمرٌ وجوابه ، قال : « اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً» ، كما تقول : قم أكرمْك ، أي إن قمت أكرمتك . قوله : « استقبل توبته » أي استأنفها وجدّدها . واستقال خطيئته : طلب الإقالة منها والرحمة . وبادر منيّته : سابق الموت قبل أن يدهمه . قوله عليه السلام : « لا تُهلِكْنا بالسنين » جمع : سَنَة ، وهي الجدْب والمحْل ، قال تعالى : « وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ » [١] . والمضايق الوَعْرة ، بالتسكين ، ولا يجوز التحريك ، وقد وَعُر هذا الشيء بالضم وُعورة ، وكذلك توعّر ، أي صار وَعْراً ، واستوعرتُ الشيء : استصعبتَه . وأجاءتنا : ألجأتنا ، قال تعالى : « فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ » [٢] . والمقاحط المجدبة :
[١] سورة الأعراف ١٣٠ .[٢] سورة مريم ٢٣ .