تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٣٠
.ومن خطبة له عليه السلام سَيِّئَ أَعْمَالِهِ . فَالْجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ ، وَالنَّارُ غَايَةُ الْمُفَرِّطِينَ . اعْلَمُوا عِبَادَ اللّه ِ ، أَنَّ التَّقْوَى دَارُ حِصْنٍ عَزِيزٍ ، وَالْفُجُورَ دَارُ حِصْنٍ ذَلِيلٍ ، لاَ يَمْنَعُ أَهْلَهُ ، وَلاَ يُحْرِزُ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ . أَلاَ وَبِالتَّقْوَى تُقْطَعُ حُمَةُ الْخَطَايَا ، وَبِالْيَقِينِ تُدْرَكُ الْغَايَةُ الْقُصْوَى . عِبَادَ اللّه ِ ، اللّه َ اللّه َ فِي أَعَزِّ الْأَنْفُس عَلَيْكُم ، وَأَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ؛ فَإِنَّ اللّه َ قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ الْحَقِّ وَأَنَارَ طُرُقَهُ . فَشِقْوَةٌ لاَزِمَةٌ ، أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ ! فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ الفَنَاءِ لأَيَّامِ البَقَاءِ . قَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ ، وَأُمِرْتُمْ بالظَّعْنِ ، وَحُثِثْتُمْ عَلَى الْمَسِيرِ؛ فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَرَكْبٍ وُقُوفٍ ، لاَ يَدْرُونَ مَتَى يُؤمَرُونَ بِالسَّيْرِ .أَلاَ فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلآخِرَةِ ! وَمَا يَصْنَعُ بِالمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيلٍ يُسْلَبُهُ ، وَتَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ وَحِسَابُهُ! عِبَادَ اللّه ِ ، إِنَّهُ لَيْسَ لِمَا وَعَدَ اللّه ُ مِنَ الْخَيْرِ مَتْرَكٌ ، وَلاَ فِيَما نَهَى عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مَرْغَبٌ . عِبَادَ اللّه ِ ، احْذَرُوا يَوْماً تُفْحَصُ فِيهِ الأعْمَالُ ، وَيَكْثُرُ فِيهِ الزِّلْزَالُ ، وَتَشِيبُ فِيهِ الأطْفَالُ . اعْلَمُوا ، عِبَادَ اللّه ِ ، أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أنْفُسِكُمْ ، وَعُيُوناً مِنْ جَوَارِحِكُمْ ، وَحُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ ، وَعَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ ، لاَ تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلمَةُ لَيْلٍ دَاجٍ ، وَلاَ يُكِنُّكُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاجٍ وَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ . يَذْهَبُ الْيَوْمُ بِمَا فِيهِ ، وَيَجِيءُ الْغَدُ لاَحِقاً بِهِ ، فَكَأَنَّ كُلَّ امْرِى ءٍ مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْأَرْض مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ ، وَمَخَطَّ حُفْرَتِهِ . فَيَا لَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَةٍ ، وَمَنْزِلِ وَحْشَةٍ ، وَمَفْرَدِ غُرْبَةٍ! وَكَأَنَّ الصَّيْحَةَ قَدْ أَتَتْكُمْ ، وَالسَّاعَةَ قَدْ غَشِيَتْكُمْ ، وَبَرَزْتُمْ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ ، قَدْ زَاحَتْ عَنْكُمْ الْأَبَاطِيلُ ، وَاضْمَحَلَّتْ عَنْكُمُ الْعِلَلُ ، وَاسْتَحَقَّتْ بِكُمُ الْحَقَائِقُ ، وَصَدَرَتْ بِكُمْ الْأُمُورُ مَصَادِرَهَا ، فَاتَّعِظُوا بِالْعِبَرِ ، وَاعْتَبِرُوا بِالْغِيَرِ ، وَانْتَفِعُوا بِالنُّذُرِ .