تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٨٢
.ومن كلام له عليه السلام بالبصرة وقد دخل على ال أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ ، كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ!
الشّرْحُ :
كنت هاهنا زائدة ، مثل قوله تعالى : « كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي المَهْدِ صَبِيّا » [١] . وقوله : « وبلى إن شئت بلغتَ بها الآخرة » ، لفظ فصيح ، كأنّه استدرك ، وقال : « وبلَى على أنّك قد تحتاج إليها في الدنيا لتجعلها وصلة إلى نيل الآخرة . بأن تقرى فيها الضيف ؛ والضيف لفظ يقع على الواحد والجمع ، وقد يجمع فيقال : ضيوف وأضياف . والرّحم : القرابة . وتطلِع منها الحقوق مطالعها : توقعها في مظانّ استحقاقها . والعَباء جمع عَباءة ، وهي الكِساء وقد تليّن ، كما قالوا : عَظاءة وعَظاية ، وصلاءة وصلاية . وتقول : عليّ بفلان ، أي أحضره ، والأصل أعجلْ به عليّ ، فحذف فعلَ الأمر ، ودلّ الباقي عليه . ويا عُدَيّ نفسه ، تصغير « عدوّ » ، وقد يمكن أن يراد به التّحقير المحض هاهنا ، ويمكن أن يراد به الاستعظام لعداوته لها ، ويمكن أن يخرج مخرج التحنّن والشّفقة ، كقولك : يا بنيّ . واستهام بك الخبيث ، يعني الشيطان ، أي جعلك هائما ضالاًّ ، والباء زائدة . فإن قيل : ما معنى قوله عليه السلام : « أنت أهون على اللّه من ذلك »؟ قلت : لأنّ في الشاهد قد يحلّ الواحد منا لصاحبه فعلاً مخصوصاً ، محاباة ومراقبة له ، وهو يكره أن يفعله ، والبشر أهونُ على اللّه تعالى من أن يحِلّ لهم أمرا مجاملة واستصلاحاً للحال معهم ، وهو يكره منهم فعله . وقوله : « هذا أنت ! » ، أي فما بالنا نراك خشنَ الملبس ! والتقدير : « فها أنت تفعل كذا ، فكيف تنهى عنه » ؟! وطعام جَشِب ، أي غليظ ، وكذلك مجشوب ، وقيل : إنّه الذي لا أُدْمَ معه . قوله عليه السلام : « أن يقدّروا أنفسَهم بضَعفة الناس » ، أي يشبّهوا ويمثّلوا . وتبيّغ الدم بصاحبه ، وتبوّغ به ، أي هاج به ، وفي الحديث : « عليكم بالحجامة لا يتبيَّغ بأحدكم الدم فيقتله » ، وقيل : أصل « يتبيغ » يتبغى ، فقلب ، مثل جَذَب وجبَذ ، أي يجب على الإمام العادل أنْ يشبّه نفسَه في لباسه وطعامه بضعفة الناس ـ جمع ضعيف ـ لكيلا يهلِك الفقراء من الناس ، فإنّهم
[١] سورة مريم ٢٩ .