تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٠٤
واحد منها ما صحّ على الآخر ، فلو كان [ له ] سبحانه شبيهٌ منها ـ أي لو كان جسما مثلها ـ لوجب أن يكون محدَثاً كمثلها ، أو تكون قديمة مثله ؛ وكلاَ الأمرين محال . ورابعها : أن المشاعر لا تستلمه ، وروي « لا تلمسه » ؛ والمشاعر : الحواسّ ، وبيانه أنه تعالى ليس بجسم لما سبق ، وما ليس بجسم استحال أن تكون المشاعر لامسةً له ؛ لأنّ إدراك المشاعر مدرَكاتِه مقصور على الأجسام وهيئاتها . والاستلام في اللغة : لمس الحجر باليد وتقبيله . وخامسها : أنّ السواتر لا تحجبه ؛ وبيانه أنّ السواتر والحجب ؛ إنّما تحجب ما كان في جهة ؛ وذلك لأنها ذوات أينٍ ووضْع فلا نسبة لها ، إلى ما ليس من ذوات الأين والوضع . ثم قال عليه السلام : « لافتراق الصانع والمصنوع » ، إشارة إلى أنّ المصنوع من ذوات الجهة والصانع منزّه عن ذلك ، بريء عن الموادّ ، فلا يلزم فيه ما يلزم في ذوات المادة والجهة . وسادسها : معنى قولنا : إنه أحد ، أ نّه ليس بمعنى العدد كما يقول الناس : أوّل العدد أحد وواحد ، بل المراد بأحديّته كونه لا يقبل التجزّؤ ؛ وباعتبار آخر كونه لا ثانيَ له في الربوبية . وسابعها : أ نّه خالق ، لا بمعنى الحركة والنَّصَب ، وهو التعب ؛ والبارئ سبحانه ليس بجسم ، ولا يفعل بالآلة ، بل كونه قادرا إنّما هو لذاته المقدّسة ، لا لأمرٍ زائد عليها ، فلم يكن فاعلاً بالحركة . وثامنها : أ نّه سميع ، لا بأداة ؛ والبارئ تعالى حيّ لذاته ؛ فلم يحتجْ في كونه مدركاً إلى الأداة والجارحة . وتاسعها : أنه بصير لا بتفريق آلة ، والمراد بتفريق الآلة هاهنا الشعاع الذي باعتباره يكون الواحد منّا مبصراً ، والبارئ تعالى بصير لا بشعاع يجعله آلة في الإدراك ، ويتفرّق على المرئيات فيدركها بها . وعاشرها : أ نّه الشاهد لا بمماسّة ؛ وذلك لأنّ الشاهد منّا هو الحاضر بجسمه عند المشهود ؛ والقرب من لوازم الجسمية ، فما ليس بجسم ـ وهو عالم بكلّ شيء ـ يكون شاهداً من غير قرب ولا مماسّة . وحادي عشرها : أ نّه البائن لا بتراخي مسافة بينونة المفارق عن المادّة ، بينونة ليست أينيّة ؛ لأ نّه لا نسبةَ لأحدهما إلى الآخر بالجهة ؛ فلا جرَم كان البارئ تعالى مباينا عن العالم ، لا بمسافة بين الذاتين .