تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٩٨
. وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لاَ يُتْرَكُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضُهُمْ بَعْضاً . الْقِصَاصُ هُنَاكَ شَدِيدٌ ، لَيْسَ هُوَ جَرْحاً بِالْمُدَى وَلاَ ضَرْباً بِالسِّيَاطِ ، وَلكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذلِكَ مَعَهُ . فَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللّه ِ ، فَإِنَّ جَمَاعَةً فِيَما تَكْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ ، خَيْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِيَما تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ . وَإِنَّ اللّه َ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً مِمَّنْ مَضَى ، وَلاَ مِمَّنْ بَقِيَ . يَا أيُّهَا النَّاسُ طُوبى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ ، وَطُوبى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ ، وَأَكَلَ قُوتَهُ ، وَاشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ ، وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ ، فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُلٍ ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ!
الشّرْحُ :
قسّم عليه السلام الظلم ثلاثة أقسام : أحدها : ظلمٌ لا يغفر ؛ وهو الشِّرْك باللّه ، أي أن يموت الإنسان مصِرّا على الشِّرْك . وثانيها : الهَنات المغفورة ، وهي صغائر الذنوب ؛ هكذا يفسّر أصحابنا كلامه عليه السلام . وثالثها : ما يتعلّق بحقوق البَشر بعضِهم على بعض ؛ فإنّ ذلك لا يتركه اللّه هَمَلاً ، بل لابدّ من عقاب فاعله ؛ وإنما أفردَ هذا القِسْم مع دخوله في القِسم الأول لتميُّزه بكونه متعلِّقا بحقوق بني آدم بعضِهم على بعض ؛ وليس الأوّل كذلك . ثم ذكر عليه السلام أنّ القِصاص في الآخرة شديدٌ ؛ ليس كما يعهده الناس من عقاب الدّنيا الذي هو ضرب السوط ؛ وغايته أنْ يذوق الإنسان طعم الحديد ؛ وهو معنى قوله : « جرحا بالمُدى » ، جمع مُدية وهي السكّين ؛ بل هو شيء آخر عظيم لا يعبّر النطق عن كُنْهِه وشدّة نَكاله وألِمه . ثم نهاهم عليه السلام عن التفرّق في دين اللّه ؛ وهو الاختلاف والفرقة ؛ ثم أمرهم باجتماع الكلمة ، وقال : إنّ الجماعة في الحقّ المكروه إليكم ، خير لكم من الفرقة في الباطل المحبوب عندكم ؛ فإنّ اللّه لم يعطِ أحدا خيرا بالفرقة ؛ لا ممّن مضى ، ولا ممّن بَقيَ . ثم أمر عليه السلام بالعزلة ، ولزوم البيت والاشتغال بالعبادة ، ومجانبه الناس ومتاركتهم واشتغال