تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٨٠
٤٩
الأصْلُ :
.ومن خطبة له عليه السلام الْحَمْدُ للّه ِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الْأُمُورِ ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلاَمُ الظُّهُورِ ، وَامْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ ؛ فَلاَ عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ ، وَلاَ قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ . سَبَقَ فِي الْعُلُوِّ فَلاَ شَيْءَ أَعْلَى مِنْهُ ، وَقَرُبَ فِي الدُّنُوِّ فَلاَ شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْهُ. فَلاَ اسْتعْلاَؤٌهُ بَاعَدَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ ، وَلاَ قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ فِي الْمَكَانِ بِهِ . لم يَطلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ ، وَلَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ ، فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلاَمُ الْوُجُودِ ، عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي الْجُحُودِ ، تَعَالَى اللّه ُ عَمَّا يَقُولُهُ الْمُشَبِّهُونَ بِهِ وَالْجَاحِدُونَ لَهُ عُلُوّا كَبِيرا!
الشّرْحُ :
بطنتُ سِرّ فلان ، أي أخفيتُه . والأعلام : جمع علَم ، وهو المنارُ يهتدى به ، ثم جعل لكلّ ما دل على شيء . فقيل لمعجزات الأنبياء : أعلام ؛ لدلالتها على نبوّتهم . وقوله عليه السلام : «أعلام الظهور» ، أي الأدلة الظاهرة الواضحة . وقوله فيما بعد : « أعلام الوجود » أي الأدلة الموجودة ، والدلالة هي الوجود نفسه . « وامتنع على عين البصير » ، يقول : إنه سبحانه ليس بمرئيّ بالعين ؛ ومع ذلِك فلا يمكِنُ مَنْ لم يَرَهُ بعينه أن ينكره ؛ لدلالة كلّ شيء عليه ، بل لدلالته سبحانه على نفسه . « ولا قلب من أثبته ببصره » ، أي لا سبيل لمن أثبت وجودَه أن يحيطَ علما بجميع أحواله ومعلوماته ومصنوعاته ؛ أو أراد أنه لا تُعلم حقيقة ذاته ؛ كما قاله قوم من المحققين . وقد رُوِيَ هذا الكلام على وجه آخر ، قالوا في الخطبة : « فلا قلْبُ مَنْ لم يَرَهُ ينكِره ، ولا عينُ مَنْ أثبته تبصره » ، وهذا غير محتاج إلى تفسير لوضوحه .