تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٢٦
. وَأنتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ ، وَالسَّنَامُ الْأَعْظَمُ . إِنَّ فِي الْفِرَارِ مَوْجِدَةَ اللّه ِ ، وَالذُّلَّ اللاَّزِمَ ، وَالْعَارَ الْبَاقِيَ . وَإِنَّ الْفَارَّ لَغَيْرُ مَزِيدٍ فِي عُمْرِهِ ، وَلاَ مَحْجُوزٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِهِ . مَنْ رَائِحٌ إِلَى اللّه ِ كَالظَّمآنِ يَرِدُ الْمَاءَ ؟ الْجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرَافِ الْعَوَالِي . الْيَوْمَ تُبْلَى الْأَخْبَارُ . وَاللّه ِ لأ نَا أَشْوَقُ إِلَى لِقَائِهِمْ مِنْهُمْ إِلَى دِيَارِهِمْ .اللَّهُمَّ فَإِنْ رَدُّوا الْحَقِّ فَافْضُضْ جَمَاعَتَهُمْ ، وَشَتِّتْ كَلِمَتَهُمْ ، وَأَبْسِلْهُمْ بِخَطَايَاهُمْ .
الشّرْحُ :
من الناس من يجعل هذه الصيغة وهي صيغة الإخبار بالفعل الماضي ، في قوله : « أجزأ امرؤ قِرْنَه » في معنى الأمر ، كأنه قال : ليجز كلّ امرئ قِرنَه ؛ لأ نّه إذا جاز الأمر بصيغة الإخبار في المستقبل جاز الأمر بصيغة الماضي ، وقد جاز الأول ، نحو قوله تعالى : «وَالْوالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ » [١] ، فوجب أن يجوز الثاني . ومن النّاس من قال : معنى ذلك : هلاّ أجزأ امرؤ قرنه؟! فيكون تحضيضاً محذوف الصيغة للعلم بها . وأجزأ بالهمزة ، أي كفى . وقِرْنك : مقارنك في القتال أو نحوه . وآسى أخاه بنفسه مؤاساة ، بالهمز ، أي جعله أُسوة نفسه فيه ، ويجوز : واسيت زيدا بالواو ، وهي لغة ضعيفة . ولم يكلْ قِرنه إلى أخيه ، أي لم يدع قِرْنه ينضمّ إلى قِرْن أخيه ، فيصيرا معا في مقاومة الأخ المذكور ، وذلك قبيحُ محرّم ، مثاله : زيد وعمرو مسلمان ، ولهما قِرْنان كافران في الحرْب ، لا يجوز لزيد أن ينكُلَ عن قِرْنه فيجتمع قِرْنُه وقِرْن عمرو على عمرو . ثم أقسم عليه السلام أنّهم إن سلموا من الألم النازل بهم لو قُتِلُوا بالسيف في الدنيا ؛ فإنهم لم يسلموا من عقاب اللّه تعالى في الآخرة ، على فِرارهم وتخاذُلهم . وسمّى ذلك سيفا على وجه الاستعارة وصناعة الكلام ؛ لأ نّه قد ذكر سيف الدنيا ، فجعل ذلك في مقابلته . واللهاميم : السادات الأجواد من الناس . والجياد من الخيل ، الواحد لُهموم . والسَّنام الأعظم ، يريد شَرَفهم وعلوّ أنسابهم ؛ لأنّ السَّنام أعلى أعضاء البعير . وموجدة اللّه : غضبه وسَخَطه .
[١] سورة البقرة ٢٣٣ .[٢] تفسير مجمع البيان للطبرسي ٢ : ٤٤٥ ، مسند أحمد ابن حنبل ٥ : ٥٣٩ ح١٩٠٤٤ بلفظ : إنّ أبواب الجنّة ... ، صحيح البخاري ٣ : ١٠٣٧ ح٢٦٦٣ كتاب الجهاد باب (٢٢) بلفظ : واعلموا أنّ الجنة .[٣] سورة محمد ٣١ .[٤] سورة الأنعام ٧٠ .