تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٦٠
فأمّا قوله : « أنت فكن ذاك » فإنه إنّما خاطب مَنْ يمكِّن عدوَّه من نفسه كائناً مَنْ كان ؛ غيرَ معيَّن ولا مخصَّص ؛ ولكن الرواية وردت بأنه خاطب بذلك الأشعث بن قيس ، فإنه رُوي أنه قال له عليه السلام ـ وهو يخطب ويلوم الناس على تثبيطهم وتقاعدهم ـ : هلاَّ فَعَلْتَ فِعْل ابن عفان ! فقال له : « إنّ فعل ابن عفان لمخزاة على مَنْ لا دين له ، ولا وثيقة معه ، إنّ امرأ أمكن عدوّه من نفسه ، يهشِمُ عظمه ، ويفرِي جلده ، لضعِيفٌ رأيه ، مَأفُونٌ عقله . أنت فكن ذاك إن أحببت ، فأمّا أنا فدُون أن أعطِيَ ذاك ضَرْبٌ بالمشرفية ... الخ » . ويمكن أن تكون الرواية صحيحة ، والخطاب عام لكلِّ من أمكن من نفسه ، فلا منافاة بينهما . خَطَب أميرُ المؤمنين عليه السلام بهذه الخطبة ، بعد فَراغِه من أمْرِ الخوارج .
٣٥
الأصْلُ :
.ومن خطبة له عليه السلام بعد التحكيم الْحَمْدُ للّه ِ وَإِنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِحِ ، وَالْحَدَثِ الْجَلِيلِ . وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّه ُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، لَيْسَ مَعَهُ إِلهٌ غَيْرُهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللّه ُ عَلَيْهِ . أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ الْمُجَرِّبِ تُورِثُ الْحَسْرَةَ ، وَتُعْقِبُ النَّدَامَةَ . وَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ في هـذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي ، وَنَخَلْتُ لَكُمْ مَخْزُونَ رَأْيِي «لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرٌ» ! فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الْجُفَاةِ ، وَالْمُنَابِذِينَ الْعُصَاةِ ، حَتَّى ارْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ ، وَضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ ، فَكُنْتُ أَنَا وَإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ : { أَمَرْتُكُمُ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى فَلَمْ تَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلاَّ ضُحَى الْغَدِ }