تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٤٨
. بِأَرْفَاقِهَا ، وَقُلُوبٍ رَائِدَةٍ لِأَرْزَاقِهَا ، فِي مُجَلِّلاَتِ نِعَمِهِ ، وَمُوجِبَاتِ مِنَنِهِ ، وَحَوَاجِزِ عَافِيَتِهِ . وَقَدَّرَ لَكُم أَعْمَارا سَتَرَهَا عَنْكُمْ ، وَخَلَّفَ لَكُمْ عِبَرا مِنْ آثَارِ الْمَاضِينَ قَبْلَكُمْ ، مِنْ مُسْتَمْتَعِ خَلاَقِهمْ ، وَمُسْتَفْسحِ خَنَاقِهِمْ . أَرْهَقَتْهُمُ الْمَنَايَا دُونَ الآمَالِ ، وَشَذَّبَهمْ عَنْهَا تَخَرُّمُ الآجَالِ لَمْ يَمْهَدُوا فِي سَلاَمَةِ الْأَبْدَانِ ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي أُنُفِ الْأَوَانِ .
الشّرْحُ :
قوله : « لتعي ما عناها » ، أي لتحفظ وتفهم ما أهمّها ؛ ومنه الأثر المرفوع : « مِنْ حُسْنِ إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » . ولتجلو ، أي لتكشف . و « عن » هاهنا زائدة ؛ ويجوز أن تكون بمعنى « بَعْد » ، كما قال : * لَقِحَتْ حَرْبُ وائِلٍ عَنْ حِيَال [١] * أي بعد حِيال ، فيكون قد حذف المفعول ، وحذفه جائز ؛ لأ نّه فضلة ، ويكون التقدير : لتجلوَ الأذى بعد عشاها ، والعشا ، مقصور : مصدر عَشِيَ ، بكسر الشين ، يَعْشَى ؛ فهو عَشٍ ، إذا أبصر نهارا ولم يبصر ليلاً . والأشلاء : جمع شِلْو ، وهو العضو . فإن قلت : فأيّ معنى في قوله : أعضاء تجمع أعضاء تجمع أعضاءها ؟ وكيف يجمع الشيء نفسه ؟ قلت : أراد عليه السلام بالأشلاء هاهنا الأعضاء الظاهرة ، وبالأعضاء الجوارح الباطنة ؛ ولا ريب أنْ الأعضاء الظاهره تجمع الأعضاء الباطنة وتضمها . والملائِمة : الموافِقة . والأحناء : الجوانب والجهات . ثم قال : « في تركيب صورها » ، كأنّه قال : مركبة أو مصورة ، فأتى بلفظة « في » كما تقول : ركب بسلاحه وفي سِلاحه ، أي متسلّحا . وقوله : « بأرْفاقها » ، أي بمنافعها جمع رِفْق ، بكسر الراء ، مثل حِمْل وأحمال ، وأرفقت فلانا ، أي نفعته . والمِرْفق من الأمر ، ما ارتفقت به وانتفعت ، ويروى : « بأرماقها » والرّمَق : بقية الروح . ورائدة : طالبة : ومجلِّلات النعم ، تجلّل الناسَ ، أي تعمّهم ؛ « صاحب مجلِّل » أي يطبّق الأرض ، وهذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ، كقولك : أنا في سابغ ظلّك
[١] هو عجز لبيت للحارث بن عباد ؛ وأوله : * قرِّبا مرْبِطَ النعامَة مِنِّي *[٢] سورة البقرة ٢٠٠ .[٣] سورة التوبة ٦٩ .[٤] الخناق ، بالفتح : حبل يختنق به .