تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٣٠
لضمة الجيم . ثم قال : لمّا دعينا إلى تحكيم الكتاب ، لم نكن القوم الذين قال اللّه تعالى في حقّهم : « وَإذَا دُعُوا إلَى اللّه ِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ » [١] ، بل أجبنا إلى ذلك ، وعملنا بقول اللّه تعالى : « فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوه إِلَى اللّه ِ وَالرَّسُولِ » . وقال : معنى ذلك أنْ نحكم بالكتاب والسنّة ، فإذا عمل الناس بالحقّ في هذه الواقعة ، واطّرحوا الهوى والعصبية ، كنّا أحقّ بتدبير الأُمّة وبولاية الخلافة من المنازِع لنا عليها . فإن قلت : إنّه عليه السلام لم يقل هكذا ، وإنما قال : إذا حُكِم بالصدق في كتاب اللّه ، فنحن أولى به ، وإذا حُكِم بالسنة فنحن أحقّ بها! قلت : إنّه رفع نفسه عليه السلام أن يصرّح بذكر الخلافة فكنّى عنها ، وقال : نحنُ إذا حُكِم بالكتاب والسنّة أولَى بالكتاب والسنّة ، ويلزم من كونه أوْلى بالكتاب والسنة من جميع الناس أن يكون أولى بالخلافة من جميع الناس ، فدلّ على ما كنّى عنه بالأمر المستلزم له . ثم قال عليه السلام : فأمّا ضربي للأجل في التّحكيم فإنما فعلته ؛ لأنّ الأناة والتثبّت من الأُمور المحمودة ، أمّا الجاهل فيعلم فيه ما جهله ، وأما العالم فيثبُت فيه على ما علِمه ، فرجوت أن يصلح اللّه في ذلك الأجلِ أمرَ هذه الأُمّة المفتونة . ولا تؤخذ بأكْظامها : جمع كَظْم ، وهو مخرج النَّفَس ، يقول : كرهت أن أعجل القوم عن التبيّن والاهتداء ، فيكون إرهاقي لهم ، وتركي للتنفيس عن خناقهم ، وعدُولِي عن ضرب الأجَل بيني وبينهم ، أدْعَى إلى استِفسادهم ، وأحْرَى أن يركبوا غيَّهم وضلالهم ، ولا يُقْلِعوا عن القبيح الصادر عنهم . ثم قال : أفضلُ الناس مَنْ آثرَ الحقّ ـ وإن كرثه ، أي اشتدّ عليه ، وبلغ منه المشقّة ، ويجوز « أكرثه » بالألف ـ على الباطل ، وإن انتفع به وأورثه زيادة . ثم قال : « فأين يتاه بكم ؟ » ، أي أين تذهبون في التيه ؟ يعني في الحيْرة . وروي : « فأنّى يُتاهُ بكم ؟ » . ومن أين أُتيتم ؟ أي كيفَ دخل عليكم الشيطان أو الشبهة ، ومن أيّ المداخل دخل اللّبس عليكم ؟! ثم أمرهم بالاستعداد للمسير إلى حرب أهل الشام ، وذكَر أنّهم مُوزَعُون بالجوْر ، أي ملهَمون ، قال تعالى : « رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ » [٢] ، أي ألهمني ، أوزعته بكذا وهو موزَع به . ولا يعدِلون عنه ، لا يتركونه إلى غيره ، وروي « لا يعدلون به » ، أي لا يعدلون بالجوْر شيئا آخر ، أي لا يرضون إلاّ بالظلم والجوْر ولا يختارون عليهما غيرهما .
[١] سورة النور ٤٨ .[٢] سورة النمل ١٩ .