تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٢٠
قوله عليه السلام : « قد لبس للحكمة جُنّتها » ، الجُنّة : ما يستتر به من السّلاح كالدِّرْع ونحوها ، ولبس جنّة الحِكْمة قمع النفس عن المشتهيات ، وقطع علائق النفس عن المحسوسات ؛ فإنّ ذلك مانع للنّفس عن أن يصيبها سهام الهوى ؛ كما تمنع الدّرع الدّارع عن أن يصيبه سهام الرِّماية . ثم عاد إلى صفة هذا الشخص ، فقال : « وأخذ بجميع أدبها من الإقبال عليها » ، أي شدّة الحرص والهمة . ثم قال : « والمعرفة بها » ، أي والمعرفة بشرَفِها ونفاستها . ثم قال : « والتفرّغ لها » ؛ لأنّ الذهن متى وجّهته نحو معلومين تخبّط وفسد ؛ وإنما يدرك الحكمة بتخلية السرّ من كلّ ما مرّ سواها . « فهيَ عند نفسه ضالّته التي يطلبها » ، هذا مثل قوله عليه السلام : « الحكْمة ضالّة المؤمن » . قوله عليه السلام : « وحاجته التي يسأل عنها » ، هو مثل قوله : « ضالّته التي يطلبها » . ثم قال : « هو مغترب إذا اغترب الإسلام » ، يقول : هذا الشخص يُخْفِي نفسَه ويحملها إذا اغترب الإسلام ، واغتراب الإسلام أن يظهر الفسق والجوْر على الصَّلاَح والعدل ، قال عليه السلام : « بدأ الإسلامُ غريبا وسيعود كما بدأ » . قال : « وضرب بعسيب ذَنبِه ، وألصق الأرض بجِرانه » ، هذا من تمام قوله : « إذا اغترب الإسلام » ، أي إذا صار الإسلام غريبا مقهورا ؛ وصار الإسلام كالبعير البارِكِ يضرب الأرض بعَسِيبه ؛ وهو أصلُ الذَّنَب ، ويلصق جِرانه ـ وهو صدره ـ في الأرض ؛ فلا يكون له تصرّف ولا نهوض . ثم عاد إلى صفة الشّخص المذكور ، وقال : « بقيّة من بقايا حججه ، خَلِيفة من خلائف أنبيائه » ، الضمير هاهنا يرجع إلى اللّه سبحانه وإنْ لم يجرِ ذكره ؛ للعلم به ، كما قال : «حَتّى تَوَارَتْ بِالحِجَابِ » [١] ، ويمكن أن يقال : إنّ الضمير راجع إلى مذكور وهو الإسلام ، أي من بقايا حجج الإسلام وخليفة من خلائف أنبياء الإسلام .
الأصْلُ :
.ثم قال عليه السلام : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ الْأَنْبِيَاءُ بِهَا أُمَمَهُمْ ، وَأَدَّيْتُ
[١] إنّ كلّ طائفة فسّرت كلامه عليه السلام على حسب اعتقادها . إلاّ أن الحق والمتّبع ما أيده الدليل والبرهان ، أمّا أصل وجوده ( عجل اللّه تعالى فرجه ) فثابت باتفاق فرق المسلمين لا يشذّ منهم أحد . وأمّا كونه موجودا الآن ! فأدلته تفوق الإحصاء ، ومنها قوله عليه السلام المتواتر لكميل : « اللهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للّه بحجّة ، إمّا ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا ، لئلاّ تبطل حجج اللّه وبيّناته » ، الحكمة ١٤٧ . وأمّا قول الصوفية والمعتزلة والفلاسفة ، فأقوال باطلة لم يدل عليها دليل ، بل الدليل على بطلانه ؛ وذلك أنه أثبت لهذا ( الموصوف ) الحجة صفات لا تنطبق على ما ادّعاه هؤلاء . وذلك انا نعلم بالوجدان ، وحقائق التاريخ تؤيد أنّ هذه الأوصاف التي ذكرها الإمام عليه السلام لا تنطبق إلاّ على القائم من آل محمد عليهم السلام .[٢] سورة ص ٣٢ .