تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٧٦
.ومن خطبة له عليه السلام شَرَقٌ ، وَفي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ ! لاَ تَنَالُونَ مِنْهَا نِعْمَةً إِلاَّ بِفِرَاقِ أُخْرَى ، وَلاَ يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ ، وَلاَ تُجَدَّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكْلِهِ إِلاَّ بَنَفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِهِ؛ وَلاَيَحْيَى لَهُ أَثَرٌ ، إِلاَّ مَاتَ لَهُ أَثَرٌ ؛ وَلاَ يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدٌ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ لَهُ جَدِيدٌ ؛ وَلاَ تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ إِلاَّ وَتَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ . وَقَدْ مَضَتْ أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا ، فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابِ أَصْلِهِ!
الشّرْحُ :
الغَرَض : ما ينصَب ليُرمَى ، وهو الهدف . وتنتضِل فيه المنايا : تترامى فيه للسَّبْق ، ومنه الانتضال بالكَلاَم وبالشّعر، كأنه يجعل المنايا أشخاصا تتناضل بالسهام؛من الناس مَنْ يموت قتلاً ، ومنهم مَنْ يموت غرقاً ، أو يتردّى في بئر ، أو تَسقط عليه حائط ، أو يموت على فراشه . ثم قال : « مع كل جَرْعة شَرَق ، وفي كلّ أكلة غَصص » : بفتح الغين ، مصدر قولك : غَصِصْتَ يا فلان بالطعام ، وروي : « غُصَص » جمع غُصّة ، وهي الشجا ، وهذا مثل قول بعضهم : المنحة فيها مقرونة بالمحنة ، والنعمة مشفوعة بالنقمة . ومراد أمير المؤمنين عليه السلام بكلامه : أنّ نعيم الدنيا لا يدوم ، فإذا أحسنتْ أساءت ، وإذا أنعمت أنقمت . ثم قال : « لا ينالون منها نعمة إلاّ بفراق أُخرى » ، هذا معنى لطيف ، وذلك أنّ الإنسان لا يتهيّأ له أن يجمع بين الملاذّ الجسمانية كلّها في وقت ، فحال ما يكون آكلا لا يكون مجامعا ، وحال ما يشرب لا يأكل ، وحال ما يركب للقَنَص والرّياضة ، لا يكون جالساً على فراش وثير ممهد ؛ وعلى هذا القياس فلا يأخذ في ضَرْب من ضُروب الملاذّ إلاّ وهو تارك لغيره منها . ثم قال : « ولا يعمَّر معمَّر منكم يوماً من عمره إلاّ بهدم آخر من أجله » ، وهذا أيضا لطيف ؛ لأنّ المسرور ببقائه إلى يوم الأحد لم يصل إليه إلاّ بعد أن قضى يوم السبت وقَطَعه ، ويوم السبت من أيام عُمره ، فإذا قد هدم من عمره يوماً ، فيكون قد قرب إلى الموت ؛ لأ نّه قد قطع من المسافة جزءا . ثم قال: « ولا تجدّد له زيادة في أكله إلاّ بنفاذ ما قبلها من رزقه »، وهذا صحيح فإنّ فسّرنا الرزق بما وصل إلى البطن على أحد تفسيرات المتكلمين ، فإن الإنسان لا يأكل لقمة إلاّ وقد فرغ من اللقمة التي قبلها ، فهو إذا لا يتجدد له زيادة في أكله إلاّ بنفاد ما قبلها من رزقه .