تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٨٤
ثم ذكر خصائص حق الولاية ، والولاية : الإمْرة ؛ فأمّا الإمامية فيقولون : أراد نصّ النبي صلى الله عليه و آله عليه وعلى أولاده . ونحن نقول : لهم خصائص حق ولاية الرسول صلى الله عليه و آله على الخلق . ثم قال عليه السلام : « وفيهم الوصية والوراثة » . أمّا الوصية فلا ريبَ عندنا أنّ عليا عليه السلام كان وصيّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، وإنْ خالف في ذلك من هو منسوب عندنا إلى العناد ، ولسنا نعني بالوصية النصَّ والخلافة ، ولكن أُموراً أُخرى لعلّها ـ إذا لُمِحت ـ أشرفُ وأجلّ . وأمّا الوراثة فالإمامية يحمِلونها على ميراث المال ، والخلافة ، ونحن نحملها على وراثة العلم . ثم ذكر عليه السلام أنّ الحق رجع الآن إلى أهله ؛ وهذا يقتضي أن يكونَ فيما قبل في غير أهله ، ونحن نتأوّل ذلك على غير ما تذكره الإماميّة ، ونقول : إنّه عليه السلام كان أوْلى بالأمر وأحقّ ، لا على وجه النصّ ، بل على وجه الأفضليّة ، فإنه أفضلُ البشر بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وأحقُّ بالخلافة من جميع المسلمين ؛ لكنه ترك حقَّه لما علمه من المصلحة ، وما تفرّس فيه هو والمسلمون من اضطراب الإسلام ، وانتشار الكلمة ، لحسد العرب له ، وضغْنهم عليه . وجائز لمن كان أوْلى بشيء فتركه ثم استرجعه أن يقول : « قد رجع الأمر إلى أهله » [١] .
[١] فأهل البيت هم ميزان الأعمال ، وبهم يقاس تفريط من قصّر عن بلوغ الحق ، وإفراط من تجاوز الحدّ في غلوّه ، حيث جعلهم رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم عِدل الكتاب ، فالسالك سبيلهم سالك سبيل الهدى والصواب ، فقال : « إني تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض » . انظر : صحيح مسلم ٤ : ١٨٧٣ ، ١٨٧٤ / ح٣٦ ، ٣٧ . وسنن الترمذي ٥:٦٦٢ ، ٦٦٣ / ح٣٧٨٦ ، ٣٧٨٨ . وغيرهما . كما قال صلى الله عليه و آله وسلم : «مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق » . انظر : المستدرك للحاكم ٣:١٤٨ ، ١٠٩ ، والهيثمي في مجمع الزوائد ٩:١٦٢ ، ١٦٣ وغيرهما .[٢] وهذا تصريح ونصّ بمذهب أهل البيت عليهم السلام : أنّ الأمر ـ الخلافة ـ كان خارجا عن أهله ، ولا يقدح فيه عدم استقامة الرعية وإطاعتها مادام النص صريحاً وواضحاً . وهنا تخبط ابن أبي الحديد في شرحه لكلام الإمام عليه السلام ، فقد اعترف بالوصيّة لعلي عليه السلام بالخلافة ، ثم عدل عنها إلى الوصيّة بأُمور هي أجل وأشرف من الخلافة ، وليته بيّن لنا ما هي تلك الأُمور التي هي أجلّ من الخلافة والإمامة . وإن كان عليه السلام وصيّا في الأجل والأشرف ، فما باله لا يكون وصيّا في الخلافة أيضا ، التي هي إحياء للحقّ وإماتة للباطل وإعزاز للمؤمنين ، وخذلان للمنافقين ، وبها تسمو معالم الدين ، وتنكس رايات البدع والضلال ؟ والإمام ، أمين اللّه في خلقه ، وحجته على عباده ، وخليفته في بلاده ، والداعي إلى اللّه ، والذابّ عن حريم اللّه . فهل يوجد شيء أجلّ وأسمى من الخلافة ؟ فليظهره لنا حتى نعرفه !! ثم لماذا يتأوّل هذا الشارح كلام الإمام عليه السلام في الوراثة ؟ ومتى جاز العدول عن الظاهر إلى التأويل بعد ثبوت حجية الظواهر ؟ فإن قلت : سيصطدم مع ثبوت بطلان خلافة من تقدّمه . قلنا : وهذا هو نفس المتنازع عليه في صحته وبطلانه ، فكيف يصلح العدول عن ظاهر الكلام لأجله ؟ ثم يدّعي (الشارح) أنّ الإمام عليه السلام ترك حقه . ونحن نتسائل عن حجية ما يدعيه ، وكيف يترك الإمام عليه السلام حقه بعد ثبوته ؟ فمتى فسح له المجال في المطالبة حتى يقال عنه أنه تركه ؟ وهذه من جملة شطحات الشارح وتؤلاته التي أراد بها إصلاحاً لم يقم له ، ولا شك أن داعيه إلى ذلك هو تعصّبه ، وتحامله على مذهب الحق ومتابعة مذهب أصحابه .