تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٩٤
ثم أخبرهم أنه سيتكلّم بوعد اللّه تعالى ومحجّته على عباده في قوله : « إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللّه ُ ثُمَّ استَقَامُوا ... » [١] الآية ، ومعنى الآية أنّ اللّه تعالى وعد الذين أقرُّوا بالربوبية ولم يقتصروا على الإقرار ، بل عقّبوا ذلك بالاستقامة أن ينزّل عليهم الملائكة عند موتهم بالبشرى ، ولفظة « ثمَّ » للتراخي ، والاستقامة مفضّلة على الإقرار باللسان ؛ لأنّ الشأن كلّه في الاستقامة ، ونحوها قوله تعالى : « إنَّمَا المُؤمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّه ِ وَرَسُولِهِ ثمَّ لَمْ يَرْتَابُوا » [٢] ، أي ثمّ ثبتوا على الإقرار ومقتضياته ، والاستقامة هاهنا ، هي الاستقامة الفعلية شافعة للاستقامة القولية . وتتنزّل عليهم الملائكة ، عند الموت ، أو في القبر ، أو عند النشور . وألاّ تخافوا « أن » بمعنى « أي » ، أو تكون خفيفة من الثقيلة ، وأصله « أنه لا تخافوا » والهاء ضمير الشأن . وقد فسر أمير المؤمنين الاستقامة المشترطة في الآية ، فقال : قد أقررتم بأنّ اللّه ربكم فاستقيموا على كتابه ، وعلى منهاج أمره ، وعلى الطريقة الصالحة من عبادته . لا تمرقوا منها ، مرق السهمُ ، إذا خرج من الرميّة مروقا . ولا تبتدعوا : لا تحدثوا ما لم يأت به الكتاب والسنة . ولا تخالفوا عنها ، تقول : خالفت عن الطريق ، أي عدلتُ عنها . قال : فإنّ أهل المروق منقطع بهم ، بفتح الطاء . انقُطِع بزيد بضم الهمزة ، فهو منقطَعٌ به ، إذا لم يجد بلاغاً ووصولاً إلى المقصد .
الأصْلُ :
.ثُمَّ إِيَّاكُمْ وَتَهْزِيعَ الْأَخْلاَقِ وَتَصْرِيفَهَا ، وَاجْعَلُوا اللِّسَانَ وَاحِداً ، وَلْيَخْزُنِ الرَّجُلُ لِسَانَهُ ، فَإِنَّ هذَا اللِّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ . وَاللّه ِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ . وَإِنَّ لِسَانَ الْمُؤمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ ، وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ ، لاِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بَكَلاَمٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ ، فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ ، وَإِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ . وَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لاَ يَدْرِي مَاذَا لَهُ ، وَمَاذَا عَلَيْهِ . وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللّه ِ صَلَّى اللّه ُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : لاَيَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ .
[١] سورة فصلت ٣٠ .[٢] سورة الحجرات ١٥ .