تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٨٨
تلك الحال ، بل بالإضافة إلى من سمعها ، وأفكر فيها ، فضلاً عن مشاهدتها عِياناً . ثم قال عليه السلام : وَدّعتكم وَداع امرئٍ مرصد للتّلاقي ، أرصدته لكذا ، أي أعددته له ، وفي الحديث : «إلاّ أن أرصدَه لديْنٍ عَلَيّ » . والتلاقِي هاهنا : لقاء اللّه . ويروى : « ودَاعِيكم » أي وداعي إياكم ، والوَداع مفتوح الواو . ثم قال : « غداً ترون أيامي ، ويكشف لكم عن سرائري ، وتعرفونني بعد خلُوّ مكاني ، وقيام غيري مقامي » ؛ هذا معنىً قد تداوله الناس قديما وحديثا . قال أبو تمام : { رَاحَتْ وفود الأرض عَن قَبْرِه فارغة الأيدي مِلاَءَ القُلُوبْ } { قد علمتْ ما رزئت إنّما يُعرف قدرُ الشمس بعد الغروبْ } وإنما قال عليه السلام : « ويكشف لكم عن سرائري » ؛ لأنهم بعد فقده وموته يظهر لهم ويثبت عندهم إذا رأوا وشاهدوا إمرة مَنْ بعده ، أنه إنما كان يريد بتلك الحروب العظيمة وجه اللّه تعالى ، وألاّ يظهر المنكر في الأرض ، وإن ظنّ قوم في حياته أ نّه كان يريد الملك والدنيا .
١٥٠
الأصْلُ :
.ومن خطبة له عليه السلام ويومئ فيها إلى الملاحم وَأَخَذُوا يَمِيناً وَشِمَالاً ظَعْنَاً فِي مَسَالِكِ الْغَيِّ ، وَتَرْكاً لِمَذَاهِبِ الرُّشْدِ .فَـلاَ تَسْتَعْجِلُوا مَا هُوَ كَائِنٌ مُرْصَدٌ ، وَلاَ تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِيءُ بِهِ الْغَدُ . فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِلٍ بِمَا إِنْ أَدْركَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ .وَمَا أَقْرَبَ الْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَدٍ! يَاقَوْمِ ، هذَا إِبَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُودٍ ، وَدُنُوٍّ مِنْ طَلْعَةِ مَا لاَ تَعْرِفُونَ . أَلاَ وَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاجٍ مُنِيرٍ ، وَيَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ ، لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقاً ، وَيُعْتِقَ فِيهَا رِقّاً ، وَيَصْدَعَ شَعْباً ، وَيَشْعَبَ صَدْعاً ، فِي سُتْرَةٍ عَنِ النَّاس لاَ يُبْصِرُ