تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٢٤
والمراد الردّ على أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية ، وإفسادُ قول من قال : كلّ مجتهد مصيب [١] ، وتلخيص الاحتجاج من خمسة أوجه : الأوّل : أنَّه لَمّا كان الإله سبحانه واحدا ، والرسول صلى الله عليه و آله واحداً ، والكتاب واحدا ، وجب أن يكونَ الحُكْم في الواقعة واحداً . الثاني : لا يخلو الاختلافُ الَّذِي ذهب إليه المجتهدون ، إمّا أن يكونَ مأموراً به أو منهيّا عنه ، والأوَّل باطل ؛ لأنّه ليس في الكتاب والسنّة ما يمكِّن الخصم أن يتعلّق به في كَوْن الاختلاف مأمورا به . والثاني حَقّ ، ويلزم منه تحريم الاختلاف . الثالث : إمّا أن يكونَ دينُ الإسلام ناقصا أو تامّا ، فإن كان الأول ، كان اللّه سبحانه قد استعان بالمكلَّفين على إتمام شريعةٍ ناقصة أرسَل بها رسوله ، إمّا استعانهً على سبيل النيابة عنه ، أو على سبيل المشاركة له ، وكلاهما كفر . وإن كان الثاني ؛ فإمّا أن يكون اللّه تعالى أنزلَ الشرع تامّا فقصَّر الرسولُ عن تبليغه ، أو يكونَ الرسولُ قد أبلغه على تمامه وكماله ؛ فإنْ كان الأوّل فهو كُفر أيضا ؛ وإنْ كان الثاني فقد بَطَل الاجتهاد ؛ لأنّ الاجتهاد إنما يكون فيما لم يتبين ؛ فأمّا ما قد بُيِّن فلا مجال للاجتهاد فيه . الرابع : الاستدلالُ بقوله تعالى : « مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ» [٢] ، وقوله : « تِبْيَانا لِكُلِّ شَيْءٍ » [٣] ، وقوله سبحانه : « وَلاَ رَطبٍ وَلاَ يَابِسٍ إلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ » [٤] ، فهذه الآيات دالّة على اشتمال الكتاب العزيز على جميع الأحكام ؛ فكلّ ما ليس في الكتاب وجب ألاَّ يكون في الشرع . الخامس : قوله تعالى : « وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّه ِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفا كَثِيرا » [٥] ، فجُعل الاختلافُ دليلاً على أنه ليس من عند اللّه ، لكنه من عند اللّه سبحانه بالأدلّة القاطعة الدالّة على صحة النبوّة ، فوجب ألاّ يكون فيه اختلاف .
[١] في هذه الخطبة المراد هو ذم العمل بالرأي وترك الأُصول المقرّرة في الشريعة بها يستنط الحكم الشرعي من الكتاب والسنّة وتابعيهما العقل والإجماع ، وهذه الأربعة هي أدلة الأحكام عندنا أما غيرنا فقد يدخلون الظن والقياس والإستحسان ، مما ورد المنع الشديد من أئمة أهل البيت عليهم السلام من الاعتماد عليه ، لأنّ أحكام اللّه سبحانه لا تصاب بالآراء ، ولا تدرك أسرارها بالأفكار .[٢] سورة الأنعام ٣٨ .[٣] سورة النحل ٨٩ .[٤] سورة الأنعام ٥٩ .[٥] سورة النساء ٨٢ .