تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٥٠
١٨٩
الأصْلُ :
.ومن خطبة له عليه السلام بَعَثَهُ حِينَ لاَ عَلَمٌ قَائِمٌ ، وَلاَ مَنَارٌ سَاطِعٌ ، وَلاَ مَنْهَجٌ وَاضِحٌ . أُوصِيكُمْ ـ عِبَادَ اللّه ِ ـ بِتَقْوَى اللّه ِ ، وَأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا ، فإِنَّهَا دَارُ شُخُوصٍ ، وَمَحَلَّةُ تَنْغِيصٍ ، سَاكِنُهَا ظَاعِنٌ ، وَقَاطِنُهَا بَائِنٌ . تَمِيدُ بِأَهْلِهَا مَيَدَانَ السَّفِينَةِ تَقْصِفُهَا الْعَوَاصِفُ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ ، فَمِنْهُمُ الْغَرِقُ الْوَبِقُ ، وَمِنْهُمُ النَّاجِي عَلَى بُطُونِ الْأَمْوَاجِ ، تَحْفِزُهُ الرِّيَاحُ بِأَذْيَالِهَا ، وَتَحْمِلُهُ عَلَى أَهْوَالِهَا ، فَمَا غَرِقَ مِنْهَا فَلَيْسَ بِمُسْتَدْرَكٍ ، وَمَا نَجَا مِنْهَا فَإِلَى مَهْلَكٍ . عِبَادَ اللّه ِ ، الآنَ فَاعْمَلوا ، وَالْأَلْسُنُ مُطْلَقَةٌ ، وَالأبْدَانُ صَحِيحَةٌ ، وَالأعْضَاءُ لَدْنَةٌ ، وَالْمُنْقَلَبُ فَسِيحٌ ، وَالْمَجَالُ عَرِيضٌ ، قَبْلَ إِرْهَاقِ الْفَوْتِ ، وَحُلُولِ الْمَوْتِ . فَحَقِّقُوا عَلَيْكُمْ نُزُولَهُ ، وَلاَ تَنْتَظِرُوا قُدُومَهُ .
الشّرْحُ :
يقول : بعث اللّه سبحانه محمداً صلى الله عليه و آله وسلم لمّا لم يبق عَلَمٌ يهتدي به المكلَّفون ؛ لأ نّه كان زمان الفترة وتبدّل المصلحة ، واقتضاء وجوب اللّطف عليه سبحانه تجديدا لبعثته ؛ ليعرِّف المبعوثُ المكلّفين الأفعال التي تقرّبهم من فعل الواجبات العقلية ، وتبعدهم عن المقبّحات الفعلية . والمنار الساطع : المرتفع . سطع الصُّبْحُ سطوعاً : ارتفع . ودارُ شخوص : دار رحلة ، شَخَص عن البلد : رحل عنه . والظاعن : المسافر . والقاطن : المقيم . والبائن : البعيد . يقول : ساكن الدنيا ليس بساكن على الحقيقة ، بل هو ظاعن في المعنى وإن كان في الصورة ساكنا ، والمقيم بها مفارق ؛ وإن ظَنّ أنه مقيم . وتميد بأهلها : تتحرّك وتميل . والمَيدان : حركة