تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٠٠
وتقول : إفعل ما أمرتُك على أذْلاله ، أي على وجهه ؛ ودَعْه في أذْلاله ؛ أي على حاله ، وأُمور اللّه جارية على أذلالها ؛ أي على مجاريها وطرقها . يقول عليه السلام : كانت السماء أوّل ما خلقت غير منتظمة الأجزاء ، بل بعضُهَا أرفعُ وبعضها أخفَض ، فنظمها سبحانه ، فجعلها بسيطاً واحداً ، نظْما اقتضتْه القدرة الإلهية ؛ من غير تعليق ، أي لا كما ينظم الإنسانُ ثوبا مع ثوب ، أو عِقْدا مع عِقْد ، بالتعليق والخياطة ، وألصق تلك الفروجَ والشُّقُوق ، فجعلها جسما متصلاً ، وسطحا أملس لا نتوّات فيه ولا فُرج ولا صُدوع ، بل جعلَ كلَّ جزء منها ملتصقا بمثله ، وذلك للملائكة الهابطين بأمرِه ، والصاعدين بأعمال خلقه ـ لأنهم الكَتَبة الحافظون لها ـ حُزُونة العُروج إليها ، وهو الصعود . ثم قال : « ونادَاها بعد إذْ هي » روي بإضافة « بَعْد » إلى « إذ » وروي بضمّ « بعد » ، أي وناداها بعد ذلك إذ هي دخان ؛ والأول أحسن وأصوب ؛ لأنها على الضمّ تكون دُخانا بعد نظمه رَهَوات فروجِها وملاحمة صدوعها ؛ والحال تقتضي أنّ دخانها قبل ذلك لا بعده . فإن قلت : ما هذا النداء ؟ قلت : هو قوله : « ائْتِيَا طَوْعا أوْ كَرْها » [١] ، فهو أمر في اللفظ ونداء في المعنى ، وهو على الحقيقة كناية عن سرعة الإبداع . ثم قال : وفَتَق بعد الارتتاق صوامتَ أبوابها ، هذا صريح في أنّ للسماء أبوابا ، وكذلك قوله : « على نقابها » ، وهو مطابق لقوله سبحانه وتعالى : « لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ » [٢] والقرآن العظيم وكلام هذا الإمام المعظّم أولى بالاتباع من كلام الفلاسفة ، الذين أحالوا الخرق على الفلك . وأمّا إقامة الرصد من الشُّهب الثواقب ، فهو نص القرآن العزيز « وَأَنَّا لَمَسْنَا السَماءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسا شَدِيدا وَشُهُبا * وَأنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِد لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجدْ لَهُ شِهابا رَصَدا » [٣] : والقول بإحراق الشهب للشياطين اتباعا لنص الكتاب أولى من قول الفلاسفة الذين أحالوا الانقضاض على الكواكب . ثم قال : وأمْسَكها على الحركة بقوته ، وأمرها بالوقوف فاستمسكت ووقفت . ثم ذكْره الشمس والقمر تذكرةً مأخوذ من قول اللّه تعالى : « وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ
[١] سورة فصّلت ١١ .[٢] سورة الأعراف ٤٠ .[٣] سورة الجنّ ٨ ، ٩ .