تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٧٦
.ومنها : عُمُرِهِ ، وَيَتَمَنَّى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا وَيَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ ! فَلَمْ يَزَلِ الْمَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ ، فَصَارَ بَيْنَ أَهْلِهِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ ، وَلاَ يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ ، يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ فِي وَجُوهِهِمْ ، يَرَى حَرَكَاتِ ألسِنَتِهِمْ ، وَلاَ يَسْمَعُ رَجْعَ كَـلاَمِهِمْ . ثُمَّ ازْدَادَ المَوْتُ الْتِيَاطاً به ، فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ ، وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ ، فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ ، قَدْ أَوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ ، وَتَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ . لاَ يُسْعِدُ بَاكِياً ، وَلاَ يُجِيبُ دَاعِياً . ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَى مَخَطٍّ فِي الأرْض ، فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَى عَمَلِهِ ، وَانْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ . حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ، وَالْأَمْرُ مَقَادِيرَهُ ، وَاُلحِقَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَوَّلِهِ ، وَجَاءَ مِنْ أَمْرِ اللّه ِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ ، أَمَادَ السَّمَاءَ وَفَطَرَهَا ، وَأَرَجَّ الْأَرْضَ وَأَرْجَفَهَا ، وَقَلَعَ جِبَالَها وَنَسَفَهَا ، وَدَكَّ بَعْضُهَا بَعْضاً مِنْ هَيْبَةِ جَلاَلَتِهِ وَمَخُوفِ سَطْوَتِهِ ، وَأَخْرَجَ مَنْ فِيهَا ، فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلاَقِهمْ ، وَجَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ ، ثُمَّ مَيَّزَهُمْ لِما يُريدُهُ مِنْ مَسْألتِهِمْ عَنْ خَفَايَا الأعْمَالِ وَخَبَايَا الأفْعَالِ ، وَجَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ : أنْعَمَ عَلَى هؤلاَءِ وَانْتَقَمَ مِنْ هؤلاَءِ . فَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ فَأَثَابَهُمْ بِجِوَارِهِ ، وَخَلَّدَهُمْ فِي دَارِهِ ، حَيْثُ لاَيَظْعَنُ النُّزَّالُ ، وَلاَ تَتَغَيْرُ بِهِمُ الْحَالُ ، وَلاَ تَنُوبُهُمُ الْأَفْزَاعُ ، وَلاَ تَنَالُهُمُ الْأَسْقَامُ ، وَلاَ تَعْرِضُ لَهُمُ الْأَخْطَارُ ، وَلاَ تُشْخِصُهُمُ الْأَسْفَارُ . وَأَمَّا أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ ، وَغَلَّ الْأَيْدِيَ إِلَى الْأَعْنَاقِ ، وَقَرَنَ النَّوَاصِيَ بِالْأَقْدَامِ ، وَأَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ الْقَطِرَانِ ، وَمُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ ، فِي عَذَابٍ قَدِ اشْتَدَّ حَرُّهُ ، وَبَابٍ قَدْ أُطْبِقَ عَلَى أَهْلِهِ ، فِي نَارٍ لَهَا كَلَبٌ وَلَجَبٌ ، وَلَهَبٌ سَاطِعٌ ، وَقَصِيفٌ هَائِلٌ ، لاَ يَظْعَنُ مُقِيمُهَا وَلاَ يُفَادَى أَسِيرُهَا ، وَلاَ تُفْصَمُ كُبُولُهَا . لاَ مُدَّةَ لِلدَّارِ فَتَفْنَى ، وَلاَ أَجَلَ لِلْقَوْمِ فَيُقْضَى .
الشّرْحُ :
هذا موضع المثل : « في كلّ شجرة نار ، واستمجد المرْخ والعفار » ، الخطب الوعظية الحسان كثيرة ؛ ولكن هذا حديث يأكل الأحاديث :