تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١١٦
وهذه الخطبة من جلائل خطبه عليه السلام ومن مشهوراتها ، قد رواها الناس كلّهم ، وفيها زيادات حذفها الرضيّ ، إمّا اختصارا أو خوفا من إيحاش السامعين ، وقد ذكرها شيخنا أبو عثمان الجاحظ في كتاب « البيان والتبيين » على وجهها [١] . ورواها عن أبي عُبيدة مَعْمَر بن المُثنّى ، قال : أوّل خطبة خطبها أمير المؤمنين علي عليه السلام بالمدينة في خلافته حمِد اللّه وأثنى عليه ، وصلى على النبيّ صلى الله عليه و آله ، ثم قال : ألا لا يُرْعِيَنَّ مُرْعٍ إلاّ على نفسه . شُغِل مَنِ الجنّة والنارُ أمامه . ساعٍ مجتهد يَنجو ، وطالب يرجو ، ومقصِّر في النار ؛ ثلاثة . وإثنان : مَلَكٌ طار بجَناحَيْه ، ونبيّ أخذ اللّه ُ بيده ؛ لا سادس . هَلَكَ من ادَّعَى ، ورَدِيَ من اقتحم . اليمين والشّمال مَضَلّة ، والوسْطَى الجادّة ؛ منهج عليه باقي الكتاب والسُنّة وآثار النبوة . إن اللّه داوَى هذه الأُمّة بدواءيْن : السوْط والسّيْف ، لا هَوَادة عند الإمام فيهما . استَتِرُوا في بيُوتكم ، وأصْلِحُوا ذات بينكم ، والتَّوْبةُ منْ وَرائكم . من أبْدَى صفحتَه للحقّ هلك . قد كانت لكم أُمور مِلتُم فيها عليّ مَيْلَة لم تكونوا عندي فيها محمودين ولا مُصيبين . أما إنّي لو أشاء لقلتُ : عفا اللّه عمّا سلف . سبق الرّجلان وقام الثالث كالغراب ، هِمّتهُ بَطْنه . ويحَهُ لو قُصَّ جناحاه ، وقُطع رأسه لكان خيراً له ! انظروا فإن أنكَرْتم فأنكِروا ، وإن عرفتم فآزروا . حقٌّ وباطل ، ولكلٍّ أهل . ولئن أمِرَ الباطلُ لقديما فَعَل ، وإن قلّ الحق لَرُبّما ولَعَلّ ، وَقلَّما أدبر شيء فأقبل . ولئن رَجَعَتْ إليكم أُمورُكم إنكم لسُعداء ، وإني لأخشَى أن تكونوا في فَترةٍ ، وما علينا إلاّ الاجتهاد . قال شيخنا أبو عثمان رحمه اللّه تعالى : وقال أبو عبيدة : وزاد فيها في رواية جعفر بن محمد عليهماالسلام عن آبائه عليهم السلام : « ألا إنّ أبرار عِترَتي ، وأطايبَ أرُومَتي ، أحلم الناس صغارا ، وأعلم الناس عَلِمْنا كبارا ألا وإنّا أهل بيت مِنْ علْم اللّه علمْنا ، وبحُكْمِ اللّه حَكَمْنَا ، ومِنْ قولٍ صادق سَمِعْنا ، فإن تَتبِّعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا ، وإنْ لم تفعلوا يُهلِككم اللّه بأيدينا . ومعنا راية الحق ، من تبعها لَحِق ، ومَنْ تأخّر عنها غَرِق . ألا وبنا يُدرَكُ تِرَةُ كل مؤمن ، وبنا تخلع رِبْقة الذلّ عن أعناقكم ، وبنا فُتح لا بِكُم ، ومنا يُختَمُ لا بِكُمْ » .
[١] البيان والتبيين ٢ : ٥٠ ـ ٥٢ ، ورواها أيضا ابن قتيبة في عيون الأخبار ٢ : ٢٣٦ .[٢] سورة فاطر ٣٢ .[٣] لا يقتضي ما قاله ؛ لأنّ الإمام عليه السلام حاله حال النبي صلى الله عليه و آله وسلم ، فقوله عليه السلام «ونبي أخذ اللّه بيده » يدلّ بالدلالة العرفية بالاقتصار على أظهر الفردين وإرادة الأعم كما هو المتداول في المحاورات ، فالإمام والنبي من سنخ واحد ، النبي قد جاء بالشريعة والإمام حافظ لها . « نهج الصباغة ٤:٥٤١ » بتصرّف .[٤] تعريض بمعاوية ودعواه الإمامة .[٥] حِليته : صفته .[٦] الزيل : التباعد مابين الفخذين .[٧] أجمعت الشيعة الإمامية على أنّ النبي صلى الله عليه و آله وسلم قد نصّ على أئمتهم ، وبيّن عددهم ، وأن الأئمة عليهم السلام قد نصّ السابق منهم على اللاحق ، وأن الحسن العسكري عليه السلام الإمام الحادي عشر أخبر أنّه له ولد ، وأنّه وصيّه وأنّه المهدي المنتظر عليه السلام وقد استدلوا على مسألة النصّ من النبي صلى الله عليه و آله وسلم على الإمامة الإلهية لأهل بيته ، بحديث الثقلين ، وحديث السفينة . واستدلوا على عددهم بحديث الاثني عشر ، واستدلوا على أن الأئمة الإلهيين هم علي عليه السلام ثم الحسن عليه السلام ثم الحسين عليه السلام بحديث الغدير ، وحديث المنزلة وحديث الكساء ، وحديث : « الحسن والحسين سبطان من الأسباط » . وكلّها مروية في كتب الحديث السنية المعتبرة . أمّا إمامة التسعة من ذرية الحسين عليه السلام فقد استدلوا عليها بأحاديث الوصية في كتب الشيعة المعتبرة ، كقول الإمام الباقر عليه السلام : « يكون تسعة أئمة من ذرية الحسين بن علي تاسعهم قائمهم » ، رواه الكيني في الكافي . وقول الإمام الصادق عليه السلام « أترون أن الموصي منا يوصي إلى من يريد ؟ لا واللّه ولكنّه عهد معهود من رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلمإلى رجل فرجل حتى انتهى إلى نفسه » . وفي لفظ آخر « إلى أن ينتهي إلى صاحب هذا الأمر » . الكافي ١ : ٢٧٧ ح١ ـ ٤ ، وبصائرالدرجات للصفار : ص٤٧٠ ح ١ ـ ١٠ ، ١٢، بحث حول المهدي للسيد سامي البدري : ص١٥ .