تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٧٨
مُؤْمِنَةٍ » [١] . ومنها : محكمه ومتشابهه ، فمحكمه كقوله تعالى : « قُلْ هُوَ اللّه ُ أَحَدٌ » [٢] ، والمتشابه كقوله : « إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ » [٣] . ثم قسم عليه السلام الكتاب قسمة ثانية ، فقال : إنّ منه ما لا يسع أحدا جهله ، ومنه ما يسع الناس جهله ؛ مثال الأول قوله : « اللّه ُ لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ » [٤] ، ومثال الثاني : « كهيعص » « حمعسق » . ثم قال : ومنه ما حكمه مذكور في الكتاب منسوخ بالسنّة ، وما حكمه مذكور في السنّة منسوخ بالكتاب ؛ مثال الأول قوله تعالى : « فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَ المَوْتُ » [٥] ، نسخ بما سنّه عليه السلام من رجْم الزاني المحصَن . ثم قال : « وبين واجبٍ بوقته ، وزائل في مستقبله » ، يريد الواجبات الموقّتة كصلاة الجمعة ، فإنّها تجب في وقت مخصوص ، ويسقط وجوبها في مستقبل ذلك الوقت . ثم قال عليه السلام : « ومباين بين محارمه » ، الواجب أن يكون « ومباينٌ » بالرّفْع لا بالجرّ ، فإنه ليس معطوفا على ما قبله ، ألا ترى أنّ جميع ما قبله يستدعي الشيء وضدَّه ، أو الشيء ونقيضه . وقوله : « ومباين بين محارمه » لا نقيض ولا ضدّ له ؛ لأنّه ليس القرآن العزيز على قسمين : أحدهما مباين بين محارمه والآخر غير مباين ، فإنّ ذلك لا يجوز ، فوجب رفع « مباين » ، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف ، ثم فسّر ما معنى المباينة بين محارمه ، فقال : إنّ محارمَه تنقسم إلى كبيرة وصغيرة ، فالكبيرة أوعد سبحانه عليها بالعقاب ، والصغيرة مغفورة . ثم عدل عليه السلام عن تقسيم المحارم المتباينة ، ورجعَ إلى تقسيم الكتاب فقال : « وبين مقبول في أدناه ، وموسّع في أقصاه » ، كقوله : « فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ » [٦] ، فإنّ القليل من القرآن مقبول ، والكثير منه موسّع مرخَّص في تركه .
[١] سورة النساء ٩٢ .[٢] سورة الإخلاص ١ .[٣] سورة القيامة ٢٣ .[٤] سورة البقرة ٢٥٥ .[٥] سورة النساء ١٥ .[٦] سورة المزمل ٢٠ .