تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٧٢
تشاهده الملائكة أربعين سنة ، ولا يعلمون ما المراد به؟ والجواب : يجوز أن يكون في ذلك لطف للملائكة ؛ لأنهم تذهب ظنونهم في ذلك كلّ مذهب ، فصار كإنزال المتشابهات الذي تحصل به رياضة الأذهان وتخريجها ، وفي ضمن ذلك يكون اللطف . ومنها أن يقال : ما المعنيّ بقوله : « ثُمّ نَفَخَ فِيهَا مِن رُوحِهِ »؟ الجواب : إنّ النفس لما كانت جوهرا مجردا ، لا متحيزة ولا حالّة في المتحيّز ، حَسُن لذلك نسبتها إلى البارئ ، وأما النفخ فعبارة عن إفاضة النفس على الجسد ، ويستلزم ذلك حلولَ القُوى والأرواح في الجثة باطنا وظاهرا ، سُمِّي ذلك نفخا مجازا . ومنها أن يقال : ما معنى قوله : « معجونا بطينته الألوان المختلفة »؟ الجواب : إنه عليه السلام قد فَسّر ذلك بقوله : « من الحرّ والبرد ، والبَلّة والجمود » ، يعني الرطوبة واليبوسة ، ومراده بذلك المزاج الذي هو كيفية واحدة حاصلةٌ من كيفيات مختلفة ، قد انكسر بعضها ببعض . وقوله : « معجونا » صفة « إنسانا » . والألوان المختلفة ، يعني الضروبَ والفنون ، كما تقول : في الدار ألوان من الفاكهة . ومنها أن يقال : ما المعنيّ بقوله : « واستأدى الملائكة وديعته لديهم » ؟ وكيف كان هذا العهدُ والوصية بينه وبينهم؟ الجواب : إنّ العهد والوصيةَ هو قوله تعالى لهم : « إنِّي خَالِقٌ بَشَرا مِّنْ طِينٍ * فإذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ » [١] . فإن قلت : فما معنى قوله عليه السلام : « وإنجازا لِلْعِدَة » ؟ أليس معنى ذلك أنّه قد كان وَعَده أن يُبقِيَه إلى يوم القيامة ؟! قلت : إنما وعده الإنظار ، ويمكن أن يكون إلى يوم القيامة ، وإلى غيره من الأوقات ولم يبيّن له ، فهو تعالى أنجز له وعده في الإنظار المطلق ، وما من وقت إلاّ ويجوز فيه إبليس أن يُخترم ، فلا يحصل الإغراء بالقبيح . وهذا الكلام عندنا ضعيف ، ولنا فيه نظر مذكور في كتبنا الكلامية .
[١] سورة المؤمنين ١٠٦ .[٢] سورة ص ٧١ ، ٧٢ .