تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٠
قلتُ : يجوز أن يريد أنَّه إمامهم في الفتاوى والأحكام الشرعية ، لا في الخلافة . وقال أيضاً : ولهذا كان أصحابنا (أي المعتزلة) أصحاب النجاة والخلاص والفوز في هذه المسألة ، في شرح قوله عليه السلام : « يهلك فيّ رجلان : محبٌّ مفرط ، وباهتٌ مُفْتَرٍ » ؛ لأنّهم سلكوا طريقة مقتصدة ، قالوا : هو ـ أي الإمام عليه السلام ـ أفضل الخلق في الدنيا ، وأكثرهم خصائص ومزايا ومناقب ، وكلّ من عاداه أو حاربه ، أو أبغضه ، فإنّه عدوٌّ للّه سبحانه ، وخالدٌ في النار مع الكفّار والمنافقين ، إلاّ أنْ يكون ممّن قد ثَبَتَتْ توبتُه ومات على تولّيه وحبّه . فأمّا الأفاضل من المهاجرين والأنصار الذين ولوا الإمامة قبله ، فلو أنّه أنكر إمامتهم ، وغضب عليهم ، وسخط فعلهم ، فضلاً عن أن يشهر عليهم السيف ، أو يدعو إلى نفسه ؛ لقلنا إنّهم من الهالكين ، كما لو غضب عليهم رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ؛ لأنّه قد ثبت أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلمقال له عليه السلام : « حربك حربي وسلمك سلمي » ، وأنّه قال صلى الله عليه و آله وسلم : « اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه » ، وقال له : « لا يحبُّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق » . ولكنّا رأيناه رضي إمامتهم ، وبايعهم ، وصلّى خلفهم وأنكحهم ، وأكل من فيئهم ، فلم يكن لنا أن نتعدّى فعله ، ولا نتجاوز ما اشتهر عنه ، ألا ترى أنّه لما برئ من معاوية برئنا منه ، ولما لعنه لعنّاه ، ولمّا حكم بضلال أهل الشام ومن كان فيهم من بقايا الصحابة ، كعمرو بن العاص وابنه وغيرهما ؛ حكمنا أيضاً بضلالهم . وقال أيضاً : فأمّا من قال بتفضيله على الناس كافّة من التابعين فَخَلْقٌ كثير كأُويس القرني ، وزيد ابن صوحان ، وصَعْصعة أخيه ، وجندب الخير ، وعبيدة السلماني وغيرهم مما لا يحصى كثرة . ولم تكن لفظة الشيعة تعرف في ذلك العَصْر إلاّ لمن قال بتفضيله ولم تكن مقالة الإمامية ومن نحا نحوها من الطاعنين في إمامة السلف مشهورة حينئذٍ على هذا النحو من الاشتهار ؛ فكان القائلون بالتفضيل هم المسمَّون الشيعة ، وجميع ما ورد من الآثار والأخبار في فضل الشيعة وأنهم موعودون بالجنة فهؤلاء هم المعنيون به دون غيرهم ؛ ولذلك قال أصحابنا المعتزلة في كتبهم وتصانيفهم : نحن الشيعة حقاً . فهذا القولُ هو أقرب إلى السلامة وأشبه بالحقِّ من القولين المقتسِمين طرفي الإفراط والتفريط إن شاء اللّه [١] .
[١] عصر الدول والإمارات ، ص٣٧٨ .[٢] مقدمة شرح نهج البلاغة ، ص١٤ .[٣] المنتظم ، ابن الجوزي ١٦/٩١ ؛ رحلة ابن جبير ، ص١٦٤ .[٤] السلاجقة في التاريخ ، أحمد كمال الدين ، ص٢٢٣ .[٥] المدرسة المستنصرية ، حسين أمين ، ص٣٠ ؛ عصر الدول والإمارات ، شوقي ضيف ، ص٢٧٧ .[٦] ذكر ابن أبي الحديد ، أنه حضر وهو غلام بالنظامية (شرح النهج ١٤/٢٨٠) .[٧] الانتصار ، الخياط ، ص١٠٠ ، دار الكتب المصرية ١٩٢٥ م .[٨] شرح الاصول الخمسة ، ص١٢٩ ، ٧٦٦ .[٩] التنبيه والرد على الأهواء والبدع ، الملطي ، ص٣٤ ، ٤٠ ، تقديم فتحي العقيلي ط ١٣٦٨ ه .[١٠] المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل ، أحمد بن يحيى بن المرتضى ، تصحيح توما أرنلد ، ص٢٨ ، دار الصياد .[١١] مقدمة شرح النهج ، ص٧ ـ ٩ .[١٢] شرح النهج ٢٠/٢٢٠ ـ ٢٢٦ .[١٣] البداية والنهاية ١٢/١٩٩ .[١٤] العذيق النضيد ، د . أحمد الربيعي ، ص٦٤ .[١٥] تاريخ الخلفاء ، ص٤١٢ .[١٦] انظر : شرح نهج البلاغة ١٤/٨٤ .