تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٠٦
وقوله : « فقد جُدّ بكم » أي حثِثتم على الرحيل ؛ يقال : جَدَّ الرحيل ، وقد جُدّ بفلان ، إذا أُزعج وحُثّ على الرحيل . واستعدُّوا للموت ، يمكن أن يكون بمعنى « أعدُّوا » ، فقد جاء « استفعل » بمعنى « أفعل » كقولهم : استجاب له ، أي أجابه . ويمكن أن يكون بمعنى الطّلَب ؛ كما تقول : استطعم ، أي طلب الطعام ، فيكون بالاعتبار الأول ، كأنّه قال : أعدُّوا للموت عُدّة ، وبمعنى الاعتبار الثاني كأنه قال : اطلبوا للموت عُدّة . وأظلّكم : قربُ منكم ، كأنّه ألقى عليهم ظلّه ، وهذا من باب الاستعارة . والعبَث : اللعب ، أو ما لا غرض فيه ، أو ما لا غرضَ صحيح فيه . وقوله : « ولم يترككم سُدىً » أي مهمَلين . وقوله : « أن ينزل به » موضعُه رفع ؛ لأ نّه بدلٌ من « الموت » ، والغائب المشار إليه هو الموت . ويحدوه الجديدان : يسوقه الليل والنهار ، وقيل : الغائب هنا هو الإنسان يَسُوقه الجديدان إلى الدار التي هي داره الحقيقيّة ، وهي الآخرة ؛ وهو في الدنيا غائب على الحقيقة عن داره التي خلق لها ؛ والأول أظهر . وقوله : « فتزوّدوا في الدنيا من الدنيا » كلامٌ فصيح ؛ لأنّ الأمر الذي به يتمكّن المكلّف من إحراز نفسه في الآخرة ؛ إنما هو يكتسبه في الدنيا منها ، وهو التقوى والإخلاص والإيمان . والفاء في قوله : « فاتّقَى عبد ربَّه » لبيان ماهيّة الأمر الذي يحرزُ الإنسان به نفسَه ولتفصيل أقسامه وأنواعه ، كما تقول : فعل اليوم فلان أفعالاً جميلة ؛ عن فلان ، وفعل كذا . وقد روي : « اتقى عبد ربّه » بلا فاء ، بتقدير « هلاّ » ، ومعناه التحضيض . وقد روي : « ليسوّفها » بكسر الواو وفتحها ؛ والضمير في الرواية الأُولى يرجع إلى نفسه ، وقد تقدم ذكرها قبلُ بكلمات يسيرة . ويجوز أن يعنى به : ليسوّف التوبة ، كأنّه جعلها مخاطبة يقول لها : سوف أوقعك ؛ والتسويف أن يقول في نفسه : سوف أفعل ؛ وأكثر ما يستعمل للوعد الذي لا نَجَاز له . ومن روى بفتح الواو جعله فعلَ ما لم يسمّ فاعله ، وتقديره : ويمنّيه الشيطان التوبة ، أي يجعلها في أُمنيته ليكون مسوّفا إياها ؛ أي يعدّ من المسوَّفين المخدوعين . وقوله : « فيا لَها حسرة » ، يجوزُ أن يكونَ نادى الحسرة ، وفتحة اللام على أصل نداء المدعو ؛ كقولك : يا لَلرجال ؛ ويكون المعنى : هذا وقتك أيتها الحسرة فاحضرِي . ويجوز أن يكون المدعو غير الحسرة ، كأنه قال : يا للرجال لِلْحسْرةِ ! فتكون لامها مكسورة نحو