تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٠٨
فإن قلت : كيف قال : إنّ معاوية لم يكن يعطي جندَه ، وأ نّه هو عليه السلام كان يعطيهم ؛ والمشهور أنّ معاوية كان يمدّ أصحابَه بالأموال والرغائب! قلت : إنّ معاوية لم يكن يعطِي جندَه على وجْهِ المعونة والعطاء ؛ وإنّما كان يعطى رؤساء القَبائل من اليمن وساكني الشام الأموال الجليلة ؛ يستعبدهم بها ، ويدعو أولئك الرؤساء أتباعَهُمْ من العرب فيطيعونهم . وأمّا أمير المؤمنين عليه السلام ، فإنّه كان يقسّم بين الرؤساء والأتباع على وجه العطاء والرزق ولا يرى لشريف على مشروف فضلاً ؛ فكان من يقعد عنه بهذا الطريق أكثر ممّن ينصره ويقوم بأمره . والتَّرِيكة : بيضة النعام تتركها في مَجْثَمِها ، يقول : أنتم خلفُ الإسلام وبقيّته كالبيْضة التي تتركها النعامة . فإن قلت : ما معنى قوله : « لا يخرج إليكم من أمرى رضىً فتَرضوْنه ، ولا سخط فتجتمعون عليه »؟ قلت : معناه أنّكم لا تقبلون مما أقول لكم شيئاً، سواء كان مما يرضيكم أو مما يسخطكم، بل لابدّ لكم من المخالفة والافتراق عنه . ثم ذكر أنّ أحبّ الأشياء إليه أن يلقى الموت . قوله : « قد دارستُكم الكتاب »، أي درسته عليكم ، دارستُ الكُتب وتدارستَها وأدرستُها، ودرستها ، بمعنى ، وهي من الألفاظ القرآنية [١] . وفاتحتُكم الحِجاج ، أي حاكمتكم بالمحاجّة والمجادلة ، وقوله تعالى : « رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا » [٢] ، أي احكم ، والفتَّاح : الحاكم . وعرفتكم ما أنكرتم : بصّرتكم ما عَمِيَ عنكم . وسَوّغْتُكم ما مجَجْتُم ، يقال : مججْتُ الشّراب من فَمِي ، أي رميت به ، وشيخٌ ماجّ : يمُجُّ ريقه ، ولا يستطيع حبسه من كبره ، وأحمق ماجّ : أي يسيل لعابه ، يقول : ما كانت عقولكُم وأذهانكم تنفر عنه من الأُمور الدينيّة أوضحتُه لكم ، حتى عَرَفتُموه واعتقدتموه وانطوتْ قلوبكم عليه . ولم يجزم عليه السلام بحصول ذلك لهم ؛ لأ نّه قال : لو كان الأعمى يلحظ ، والنائم يستيقظ ! أي أني قد فعلت معكم ما يقتضي حصولَ الاعتقادات الحقيقية في أذهانكم لو أزلتم عن قلوبكم ما يمنع من حصولها لكم ، والمانع المشارُ إليه هو الهوى والعصبية والإصْرَار على اللَّجاج، ومحبّة نصره عقيدة قد سبقت إلى القلب، وَزرَعها التعصّب، ومشقّة مفارقة الأسلاف الَّذين قد انغرس في النفس تعظيمهم ، ومالت القلوب إلى تقليدهم لحسن الظنّ بهم .
[١] من قوله تعالى في سورة آل عمران ٧٩ : « كُونُوا رَبَّانِيّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ » .[٢] سورة الأعراف ٨٩ .