تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٧٩
فإن قلت : فما معنى قوله : « واستجماع أهوائهم فيك » ؟ وهل للملائكة هَوىً ؟ وهل تستعمل الأهواء إلاّ في الباطل؟ قلت : الهوى : الحبُّ وميْل النفس ، وقد يكون في باطل وحقّ ، وإنما يحمل على أحدهما بالقرينة ، والأهواء تستعمل فيهما ، ومعنى استجماع أهوائهم فيه : أنَّ دواعيَهم إلى طاعته وخدمته لا تنازعُها الصوارف ، وكانت مجتمعة مائلة إلى شقّ واحد . فإن قلت : الباء في قوله : « بحسن بلائك » بماذا تتعلق؟ قلت : الباء هاهنا للتعليل بمنى اللام ، كقوله تعالى : « ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تأتِيهِمْ رُسُلُهمْ » [١] ، أي لأنّهم ، فتكون متعلقة بما في « سبحانك » من معنى الفعل ، أي أسبحك لحسن بلائك . ويجوز أن تتعلّق بمعبود ، أي يعبد لذلك . ثم قال : « خلقت داراً » يعني الجنة . والمأدَبة والمأدُبة ، بفتح الدال وضمها : الطعام الذي يُدعَى الإنسان إليه . وفي هذا الكلام دلالة على أن الجنة الآن مخلوقة ، وهو مذهب أكثر أصحابنا . ومعنى قوله : « وزروعاً » أي وغروسا من الشجر ، يقال : زرعت الشجر ، كما يقال : زرعت البرّ والشعير ، ويجوز أن يقال : الزروع : جمع زَرعْ وهو الإنبات ، يقال : زرعه اللّه أي أنبته . قوله : ثم أرسلت داعياً يعني الأنبياء . وأقبلوا على جِيفة ، يعني الدنيا . ومن كلام الحسن رضى اللّه عنه : إنّما يتهارشون على جِيفةٍ . وإلى قوله : « ومن عشق شيئا أعشى بصره » نظر الشاعر ، فقال : وَعَيْنُ الرِّضا عن كلِّ عيب كليلةٌ كما أنّ عين السخط تبدي المساويا قد خرقت الشهواتُ عقله ، أي أفسدته كما تخرِق الثوب فيفسد . وإلى قوله : « فهو عبد لها ولمن في يديه شيء منها » نظر ابن دريد ، فقال : عَبيدُ ذِي المال وإنْ لم يَطمعُوا مِنْ مالِهِ في نُغْبةٍ تَشْفي الْصَّدَا وهم لمن أملَق أعداءٌ وإن شاركهم فيما أفاد وحَوَى وإلى قوله : « حيثما زالت زال إليها ، وحيثما أقبلت أقبل عليها » نظر الشاعر ، فقال : ما الناس إلاَّ مع الدنّيا وصاحِبِها فكيفما انقلبتْ يوماً به انقلبُوا يعظِّمُون أخا الدنيا فإن وثبتْ يوماً عليه بما لا يشتهي وَثَبُوا
[١] إن مسألة تفضيل الملائكة على سائر المخلوقات رأي انفردت به المعتزلة . بينما ذهب أهل السنّة والجماعة إلى تفضيل المؤمنين عليهم بل الآدميين ، والنبي صلى الله عليه و آله وسلم أفضل من الآدميين وغيرهم . [شرح صحيح مسلم للنووي ٥ : ٣٧ . البحر الرائق لابن نجيم المصري ١ : ٥٨٢ . حاشية رد المحتار لابن عابدين ١ : ٥٦٨] . أما الإمامية فقد أجمعوا على تفضيل الأنبياء على الملائكة [رسائل المرتضى ١ : ١١٠ ، ١٥٦ ]وأن الأئمة الاثني عشر أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء السابقين والملائكة وغيرهم ، وأن الأنبياء أفضل من الملائكة . [أمالي الصدوق ص٧٣٨ ، علل الشرائع ١ : ٥ . والفصول المهمة للحرّ العاملي ١ : ٤٠٣] .[٢] سورة فصلت ٨ .[٣] سورة غافر ٢٢ .[٤] سورة البقرة ٢٦٧ .[٥] سورة الواقعة ٤ .[٦] سورة يس ٥٩ .[٧] سورة إبراهيم ٥٠ .