تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٥٢
فقال : يوم السقيفة . فقلت : إنّ نفسي لا تسامحني أن أنسُب إلى الصحابة عصيان رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ودفع النص . فقال : وأنا فلا تسامحني أيضا نفسي أن أنسب الرسول صلى الله عليه و آله وسلم إلى إهمال أمر الإمامة ، وأنْ يُتركَ النّاس فوضى سُدىً مهمَلين ؛ وقد كان لا يغيبُ عن المدينة إلاّ ويؤمِّر عليها أميرا وهو حيّ ليس بالبعيد عنها ، فكيف لا يؤمِّر وهو ميّت لا يقدر على استدراك ما يحدُث! ثم قال : ليس يشكّ أحدٌ من الناس أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم كان عاقلاً كامل العقل ، وهذا الرّجل العاقل الكامل يعرفُ طباع العرب وغرائزهم وطلبَهم بالثّارات والذُّحول ؛ ولو بعد الأزمان المتطاولة . فكيف يتوهّم لبيب أنّ هذا العاقل الكامل وَتَر العرب ، وعلى الخصوص قريشا ، وساعدَهُ على سَفْك الدماء وإزهاق الأنفس وتقلّد الضغائن ابنُ عمِّه الأدنى وصهرهُ ، وهو يعلم أ نّه سيموت كما يموت الناس ، ويتركه بعدَه وعنده ابنته ، وله منها ابنان يجريان عندَه مَجْرَى ابنيْن من ظَهْره حُنوّا عليهما ، ومحبّة لهما ، ويعدل عنه في الأمر بعده ، ولا ينصّ عليه ولا يستخلفه ، فيحقِنُ دمه ودم بنيه وأهله باستخلافه ! ألا يعلمُ هذا العاقل الكامل ؛ أ نّه إذا تركه وترك بنيه وأهلَه سُوقَةً ورعيّة ، فقد عرَّض دماءهم للإراقة بعده ، بل يكونُ هو عليه السلام هو الذي قتله ، وأشاط بدمائهم ؛ لأنّهم لا يعتصمون بعده بأمر يحميهم ؛ وإنّما يكونون مضغةً للآكل ، وفريسةً للمفترِس ، يتخطّفهم الناس ، وتبلُغ فيهم الأغراض . فأمّا إذا جَعَل السلطان فيهم ، والأمر إليهم ؛ فإنّه يكون قد عَصَمهم وحَقَن دماءهم بالرّياسة التي يَصُولون بها ، ويرتدع النّاس عنهم لأجلها . ومثل هذا معلوم بالتجرِبة ... الخ ، وقد أوردناه باختصار .
١٦٤
الأصْلُ :
.ومن خطبة له عليه السلام الْحَمْدُ للّه خَالِقِ الْعِبَادِ ، وَسَاطِحِ الْمِهَادِ ، وَمُسِيلِ الْوِهَادِ ، وَمُخْصِبِ النِّجَادِ . لَيْسَ