تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٠٢
ولا ماضٍ يرتد » ، أي يسترد ويسترجع ، أخذه أبو العتاهية فقال : { فلا أنا راجعٌ ما قد مضى لِي وَلا أنا دافعٌ ما سوف يأتي } وإلى قوله : « ما أقرب الحيّ من الميت للحاقه به ، وما أبعد الميت من الحي لانقطاعه عنه » نظر الشاعر ، فقال : { يا بعيداً عَنّي وليس بعيدا من لحاقي به سميع قريبُ } { صِرْتُ بين الورى غريبا كما أنـ ـك تحت الثرى وحيد غريبُ } فإن قلت : ما وجه تقسيمه عليه السلام الأمورَ التي عدّدها إلى الفناء والعناء ، والغِيَر والعبَر؟ قلت : لقد أصاب الثّغرة وطبّق المفصِل ؛ ألا تراه ذكَر في الفناء رَمْيَ الدهر الإنسان عن قَوْس الردى ، وفي العناء جَمْع ما لا يأكل ، وبناء ما لا يسكن ، وفي الغِيَر الفقر بعد الغنى والغنى بعد الفقر ، وفي العِبَر اقتطاع الأجل الأمل ؛ فقد ناط بكلّ لفظة ما يناسبها . وقد نظر بعضُ الشعراء إلى قوله عليه السلام : « ليس شيء بشرّ من الشرّ إلاّ عقابُهُ ، وليس شيء بخير من الخير إلاّ ثوابه » فقال : { خير البضائع للإنسان مكرُمة تَنْمِي وتزكو إذا بارت بضائعهُ } { فالخير خيرٌ ، وخير منه فاعلُه والشرّ شرّ ، وشرّ منه صانعهُ } إلاّ أن أمير المؤمنين عليه السلام استثنى العقاب والثواب ، والشاعر جعل مكانهما فاعل الخير والشرّ. ثم ذكر انّ كلّ شيء من أُمور الدنيا المرغبة والمرهبة ، سماعه أعظم من عِيانه ، والآخرة بالعكس ، وهذا حقّ ؛ أمّا القضيّة الأُولى فظاهرة ، وقد قال القائل : { أهتزُّ عند تمنّي وصْلِها طربا وربّ أُمنيّة أحْلَى من الظَّفَر } ولهذا يحرِص الواحد منّا على الأمر ، فإذا بلغه بَرَد وفتر ، ولم يجده كما كان يظنّ في اللذة . ويوصف لنا البلد البعيد عَنّا ، بالخِصب والأمن والعدل ، وسماح أهله ، وحسن نسائه ، وظَرْف رجاله ، فإذا سافرنا إليه لم نجده كما وصَفَ ؛ بل ربما وجدنا القليل من ذلك . وكذلك قد يخاف الإنسان حبساً أو ضرباً أو نحوهما فإذا وقع فيهما هان ما كان يتخَوّفه ، ووجد الأمر دون ذلك ، وكذلك القتل والموت ؛ فإنّ ما يستعظِمُه النّاس منهما دون أمرهما في الحقيقة . ويقال في المثل : لجِ الخوف تأمن . وأمّا أحوالُ الآخرة فلا ريب أنّ الأمر فيها بالضدّ من ذلك ؛ لأنّ الذي يتصوره الناس من الجنة أنّها أشجار وأنهار ومأوكول ومشروب ، وجماع ، وأمرها في الحقيقة أعظمُ من هذا وأشرفُ ؛ لأنّ ملاذّها الروحانية المقارنة لهذه الملاذّ المضادّة لها أعظم من هذه الملاذّ بطبقات عظيمة ، وكذلك أكثر الناس يتوهّمون أنّ