تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٧٢
جدّا ، وهو ينزّه الأفعال عن الرّياء ، وألاّ يمازج العبادة أمر لا يكون للّه سبحانه . وقوله : « فهو من معادن دينه وأوتاد أرضه » ، معادن دينه : الذين يُقتبس الدين منهم ، كمعادن الذهب والفضة ، وهي الأرضون التي يلتقط ذلك منها ، وأوتاد أرضه : هم الذين لولاهم لمادَت الأرض وارتجّت بأهلها ، وهذا من باب الاستعارة الفصيحة ، وأهل هذا العلم يقولون : أوتاد الأرض جماعة من الصالحين ، ولهم في الأوتاد والأبدال والأقطاب كلامٌ مشهور في كتبهم . وسادس عشرها : أن يكون قد ألزَم نفسه العدل ، والعدالة : مَلَكه تصدُر بها عن النفس الأفعال الفاضلة خلقا لا تخلّقا . ثم إنه عليه السلام ذكر حال هذا العارف العادل فقال : « أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه » ، وذلك لأنّ من يأمر ولا يأتمر ، وينهى ولا ينتهي ، لا تؤثر عظته ، ولا ينفع إرشاده . ثم شرح ذلك فقال : « يصف الحق ويعمل به » . ثم قال : « لا يدع للخير غاية إلاّ أمّها ، ولا مَظِنّةً إلاّ قصدها » ؛ وذلك لأنّ الخير لذته وسروره وراحته ، فمتى وجد إليه طريقا سلكها ، ثم قال : « قد أمكن الكتاب ـ يعني القرآن ـ مِن زمامه » ، أي قد أطاع الأوامر الإلهية ، فالقرآن قائده وإمامُه ، يحلّ حيث حلّ ، وينزل حيث نزل .
الأصْلُ :
.وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِما وَلَيْسَ بِهِ ، فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ ، وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلاَّلٍ ، وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكا مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ ، وَقَوْلِ زُورٍ ؛ قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ ؛ وَعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ ، يُؤَمِّنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ ، وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ ، يَقُولُ : أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ ، وَفِيهَا وَقَعَ ؛ وَيَقُولُ : أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ ، وَبَيْنَهَا اضْطَجَعَ ؛ فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ ، وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ ، لاَ يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ ، وَلاَ بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ . وَذلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ! فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ؟ وَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ! وَالْأَعْلاَمُ قَائِمَةٌ ، وَالآيَاتُ وَاضِحَةٌ ، وَالْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ ، فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ ! وَكَيْفَ تَعْمَهُونَ وَبَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ ! وَهُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ ، وَأَعْلاَمُ الدِّينِ ، وَأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ ! فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ ، وَرِدُوهُمْ وُرُودَ