تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٤٠
ثواب اللّه ونعيمه ؛ لذا استدلّ على وصوله إليه وقوِي ظنّه بظفره به ، بما عَجّل اللّه تعالى له من الفضل والرحمة في الدنيا ، ومقامُ الرجاء للعارفين مقام شريف ، وهو في مقابلة مقام الخوف ، وهو المقام الذي يوجد العارف فيه فرحا . قوله عليه السلام : « إن استصعبَتْ عليه نفسُه » ، أي صارت صعبة غير منقادة ؛ يقول : إذا لم تطاوعْه نفسُه إلى ما هي كارهة له لم يعطِها مرادها فيما تحبّه . قوله عليه السلام : « قرّة عينه فيما لا يزول ، وزهادته فيما لا يبقى » ، يقال للفرِح المسرور : إنّه لَقَرِير العين ، وقرّت عينُه تقرّ ، والمراد بردُها ؛ لأنّ دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارّة . وهذا الكلام يحتمل أمرين : أحدُهما : أن يعنِيَ بما لا يزول البارئ سبحانه ، وهذا مقام شريف جدّا أعظم من سائر المقامات ، وهو حبّ العارف للّه سبحانه . وثانيهما : أن يريد بما لا يزول ، نعيمَ الجنة ، وهذا أدونُ المقاميْن ؛ لأنّ الخلّص من العارفين يحبّونه ويعشقونه سبحانه لذاته ، لا خوفاً من النار ، ولا شوقاً إلى الجنة . وقد جاء في كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، من هذا الكثير ، نحو قوله : « لم أعبدْه خوفاً ولا طمعاً ، لكنّي وجدته أهلاً للعبادة فعبدته » . قوله عليه السلام : « يمزج الحلم بالعلم » ، أي لا يحلُم إلاّ عن علم بفضل الحلم ليس كما يحلم الجاهلون . « والقول بالعمل » ، أي لا يقتصر على القول . قوله عليه السلام : « تراه قريبا أملُه » ، أي ليست نفسه متعلّقةً بما عظُم من آمال الدنيا ؛ وإنّما قُصَارى أمره أن يؤمّل القوت والملبس . قليلاً زلله : أي خطؤه . « منزورا أكله » ، أي قليلاً ، ويحمَد من الإنسان الأكل النزر . « مكظوماً غيظُه » كَظم الغيظِ من الأخلاق الشريفة . قوله : « إن كان في الغافلين » ، معناه أ نّه لا يزال ذاكرَ اللّه تعالى ، سواء كان جالسا مع الغافلين أو مع الذاكرين ؛ أمّا إذا كان مع الغافلين فإنه يذكر اللّه بقلْبِه ، وأمّا إذا كان مع الذّاكرين فإنه يذكره بقلبه ولسانه . قوله عليه السلام : « يعفُو عمّن ظَلَمه ، ويعطي من حرمه ، ويصل مَنْ قطعه » مِن كلام المسيح عليه السلام في الإنجيل : « أحبّوا أعداءكم ، وصلُوا قاطعِيكم ، واعفوا عن ظالِمِيكم ، وباركوا عليّ لأُعينَكم ؛ لكي تكونوا أبناء أبِيكم الّذي في السماء ، الذي تشرق شمسُه على الصّالحين والفَجَرة ، وينزل مَطَرُه على المطيعين والأثَمة » . قوله عليه السلام : « بعيداً فُحْشُه » ، ليس يعني به أ نّه قد يُفْحِش تارة ، ويترك الفحش تارات ، بل