تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٨٣
الشّرْحُ :
صَدْر الكلام في ذكر رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، ويتلوه فُصول : أوّلها : ( أنّ أحقّ الناس بالإمامة أقواهم عليها ) ، وأعلمهم بحكم اللّه فيها ، وهذا لا ينافي مذهب أصحابنا البغداديين في صحة إمامة المفضول [١] . فإن قلت : أيّ فرقٍ بين أقواهم عليه وأعلمهم بأمر اللّه فيه؟ قلت : أقواهم أحسنُهم سياسة ، وأعلمهم بأمر اللّه أكثرُهم علماً وإجراءً للتدبير بمقتضى العلم ؛ وبين الأمريْن فرق واضح ، فقد يكون سائساً حاذقاً ، ولا يكون عالماً بالفقه ، وقد يكون سائساً فقيهاً ، ولا يجري التدبير على مقتضى علمه وفقهه . وثانيها : أنّ الإمامة لا يشترط في صحة انعقادها أن يحضُرها الناسُ كافّة ؛ لأ نّه لو كان ذلك مشتَرطاً لأدّى إلى ألاّ تنعقد إمامة أبدا ، لتعذّر اجتماع المسلمين من أطراف الأرض ، ولكنّها تنعقد بعقد العلماء وأهل الحلّ والعقد الحاضرين ، ثم لا يجوز بعد عقدها لحاضريها أن يرجعُوا من غير سبب يقتَضِي رجوعَهم ، ولا يجوز لمن غاب عنها أن يختار غير مَنْ عقد له ، بل يكون محجوجا بعقد الحاضرين ، مكلّفاً طاعة الإمامة المعقود له . وعلى هذا جرت الحال في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ، وانعقد إجماع المسلمين عليه ؛ وهذا الكلام تصريح بصحة مذهب أصحابنا في أن الاختيار طريق إلى الإمامة ، ومبطل لما تقوله الإماميّة من دعوى النصّ عليه ؛ ومن قولهم لا طريق إلى الإمامة سوى النصّ [٢] .
[١] بل فيه دليل على اعتبار الأفضلية في الإمامة ، وعدم جواز إمامة المفضول ، لا سيّما مع قوله عليه السلام : « فإن شغب شاغب .. » . و « الشغْب » تهييج الشرّ ، فإذا تمت البيعة للإمام العالم والمدبّر العادل ، ثم خرج عليه شرّير فاسد يستعتب ، والمراد بالاستعتاب طلب الرجوع بالكلام أو بالمراسلة وإلاّ بالحرب أو غيرها .[٢] أقول : إنّما احتجّ الإمام عليه السلام بالإجماع إلزاما للخصم بما يلتزم به ، ولمجرد الاحتجاج على أمثال معاوية وعمرو بن العاص بغضّ النظر عن تحديد هوية الخلافة وطرق الاستدلال عليها ؛ لأنهم قد اتفقوا على العمل به في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان . وأمّا عدم تمسّكه بالنصّ مع ثبوته عنده وعند آله بما يلتزم به لعلمه بعدم التفاتهم إليه ، كيف وقد أعرضوا عنه في أول الأمر مع قرب العهد بالنبي صلى الله عليه و آله وسلم وسماعهم منه ، والأنصار قد سبقوا الجميع في الاستخفاف به ، والإمام عليه السلام كان يقدّر آنذاك أنّ الحزب الحاكم سوف يستبسل في إنكار النص إذا جاهر به ، ولا يقف إلى جانبه صف ينتصر له في دعواه ؛ لأنّ الناس بين من قادهم الهوى السياسي إلى إنكار عملي للنصّ يسدّ عليهم مجال التراجع ، وبين من يرى أنّ فكرة النصّ تجعل من الخلافة وقفا على بني هاشم بدون منازع . وإذا أصرت السلطة الحاكمة على إنكار النصّ وسكت الآخرون ، فمعنى هذا أنّ النص يفقد قيمته الواقعية ، ولهذا لم يكن للاحتجاج بالنصّ أثر واضح . بخاصة أنّ المقام مقام جدل يختار فيه إيراد ما يلتزم به الخصم ويقطع شغبه .