تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٤٢
قلتُ : صدقت ، إنما أجابه من حيث يعلم هو والسامعون ، وتصِلُ أفهامهم إليه ، فخرج معه إلى حديث الآجال ، وأنّها أوقاتٌ مقدّرة لا تتعدّاها ، وما كان يمكنه عليه السلام أن يذكر الفرْق بين نفسه ونفوسهم ، ولا كانت الحال تقتضيه ، فأجابه بجواب مُسْكِتٍ ؛ وهو مع إسكاته الخصْم حقٌّ وعدل عن جواب يحصل منه اضطراب ، ويقع فيه تشويش ، وهذا نهاية السَّداد وصحة القول .
١٨٧
الأصْلُ :
.ومن خطبة له عليه السلام يصف فيها المنافقين نَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ ، وَذَادَ عَنْهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ ، وَنَسْأ لُهُ لِمِنَّتِهِ تَمَاماً ، وَبِحَبْلِهِ اعْتِصَاماً. وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَاضَ إِلَى رِضْوَانِ اللّه ِ كُلَّ غَمْرَةٍ، وَتَجَرَّعَ فِيهِ كُلَّ غُصَّةٍ . وَقَدْ تَلَوَّنَ لَه الأدنَوْنَ ، وَتَأَلَّبَ عَلَيْهِ الْأَقْصَوْنَ ، وَخَلَعَتْ إِلَيْهِ الْعَرَبُ أَعِنَّـتَهَا، وَضَرَبَتْ إِلَى مُحَارَبَتِهِ بُطُونَ رَوَاحِلِهَا، حَتَّى أَنْزَلَتْ بِسَاحَتِهِ عَدَاوَتَهَا، مِنْ أَبْعَدِ الدَّارِ ، وَأَسْحَقِ الْمَزَارِ . أُوصِيكُمْ ـ عِبَادَ اللّه ِ ـ بِتَقْوَى اللّه ِ ، وَأُحَذِّرُكُمْ أَهْلَ النِّفَاقِ ، فَإِنَّهُمُ الضَّالُّونَ الْمُضِلُّونَ ، وَالزَّالُّونَ الْمُزِلُّونَ ، يَتَلَوَّنُونَ أَلْوَاناً ، وَيَفْتَنُّونَ افْتِنَاناً وَيَعْمِدُونَكُمْ بِكُلِّ عِمَادٍ ، وَيَرْصُدُونَكُمْ بِكُلِّ مِرْصَادٍ . قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ ، وَصِفَاحُهُمْ نَقِيَّةٌ . يَمْشُونَ الْخَفَاءَ ، وَيَدِبُّونَ الضَّرَاءَ . وَصْفُهُمْ دَوَاءٌ ، وَقَوْلُهُمْ شِفَاءٌ ، وَفِعْلُهُمُ الدَّاءُ الْعَيَاءُ . حَسَدَةُ الرَّخَاءِ ، وَمُؤكِّدُو الْبَلاَءِ ، وَمُقْنِطُو الرَّجَاءِ . لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ صَرِيعٌ ، وَإِلَى كُلِّ قَلْبٍ شَفِيعٌ ، وَلِكُلِّ شَجْوٍ دُمُوعٌ . يَتَقَارَضُونَ الثَّنَاءَ ، وَيَتَرَاقَبُونَ الْجَزَاءَ ؛ إِنْ سَأَلُوا أَلْحَفَوا ، وَإِنْ عَذَلُوا كَشَفُوا ، وَإِنْ حَكَمُوا أَسْرَفُوا . قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٍّ بَاطِلاً ، وَلِكُلِّ قَائِمٍ مَائِلاً ،