تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٨٠
وروي : « فلما قَرَعته » بالتخفيف ، أي صدمته بها . وروي : « هبّ لا يدري ما يجيبني » ، كما تقول : استيقظ وانتبه ، كأنّه كان غافلاً ذاهلاً عن الحجة فهبّ لمّا ذكرتُها . أستعديك : أطلب أن تُعْدِيَني عليهم وأنْ تنتصف لي منهم . قطعوا رحِمي : لم يرعَوْا قربه من رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم . وصغّروا عظيم منزلتي : لم يقفوا مع النصوص الواردة فيه . وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي ، أي بالأفضلية أنا أحقّ به منهم ؛ هكذا ينبغي أن يُتأوّل كلامه [١] . وكذلك قوله : « إنما أطلب حقّا لي وأنتم تحولون بيني وبينه ، وتضربون وجهي دونه » . قال : « ثم قالوا : ألاَ إنّ في الحقّ أن تأخُذَه ، وفي الحقّ أن تتركه » ، قال : لم يقتصروا على أخذِ حَقّي ساكتين عن الدَّعْوى ؛ ولكنّهم أخذوه وادّعوْا أنّ الحقّ لهم . وأنه يجبُ عليّ أن أترك المنازعة فيه ؛ فليتهم أخذوه معترفين بأنه حقِّي ، فكانت المصيبة به أخفّ وأهون . واعلم أنه قد تواترت الأخبار عنه عليه السلام بنحوٍ من هذا القول ، نحو قوله : « ما زلتُ مظلوما منذ قبضَ اللّه رسولَه حتى يوم النّاس هذا » . وقوله : « اللهمّ أخزِ قريشا فإنها منعتْني حقّي وغصبتْني أمري » . وقوله : « فجزى قريشا عنّي الجوازِي ، فإنهم ظلموني حقّي ، واغتصبوني سلطان ابن أُمّي » . وقوله ، وقد سمع صارخا ينادي : أنا مظلوم ، فقال : «هلمّ فلنصرُخْ معاً ، فإني ما زلتُ مظلوما » . وقوله : « وإنه ليعلم أنّ محلِّي منها محلّ القطب من الرحى » . وقوله : « أرى تراثي نهباً » . وقوله : « أصغيا بإنائنا ، وحَملا الناس على رقابنا » . وقوله : « إنّ لنا حقاً إن نُعْطَة نأخذه ، وإن نمنَعه نركب أعجاز الإبل ؛ وإن طال السُّرَى » . وقوله : « ما زلت مستَأْثَرا عليّ ، مدفوعا عمّا أستحقه وأستوجبه » . وأصحابنا يحملون ذلك كلّه على ادّعائه الأمر بالأفضليَّة والأحقيَّة ؛ وهو الحقّ والصواب ؛ فإنَّ حمله على الاستحقاق بالنصّ تكفيرٌ أو تفسيق لوجوه المهاجرين والأنصار ؛ ولكنّ الإماميَّة والزيديّة حملوا هذه الأقوال على ظواهرها ، وارتكبوا بها مركباً صعباً . ولعمري إنّ هذه الألفاظ موهمة مغلّبة على الظنّ ما يقوله القوم ؛ ولكن تصفّح الأحوال يبطل ذلك الظنّ ، ويدرأ ذلك الوهم ، فوجب أن يجري مجرى الآيات المتشابهات
[١] نسب إلى الإمامية أن القائل هو أبو عبيدة وأنه يوم السقيفة ! وقد روى محمد بن يعقوب الكليني في رسائله ومحمد بن جرير الطبري في مسترشده وهما من قدماء الإمامية : أ نّه عليه السلام قاله يوم الشورى ، والقائل للإمام عليه السلام كان عبد الرحمن بن عوف لا أبو عبيدة . وأيّا كان القائل ، فكلامه عليه السلام يوم الشورى يتضمّن بطلان أمر السقيفة ، وأنها الأساس في دفعه عن حقّه ، والإمام عليه السلام قد أجاب هذا القائل بأنّ الخلافة حقّ لي ، ولا يعاب المرء بالحرص على حقّه ، وإنما يعاب إذا أخذ ما ليس له ، كما فعل أصحاب السقيفة . ثم أي فرق بين أصحاب الشورى وأصحاب السقيفة ، الجميع صحابة ، فلا وجه للتفريق بينهما .[٢] إن كلام الإمام عليه السلام صريح في أنه يطلب حقاً له منصوصاً عليه ، وليس كما تأوّله الشارح أ نّه بالأفضلية مجاراة لمذهب أصحابه .[٣] الأمر الذي يريد أن يحيد عنه هو وأصحابه وهو النصّ على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ، وعدم مخالفة بدعة عدالة الصحابة وولايتهم ؛ وإلاّ فإن النص قد أجمع عليه أهل البيت لا يختلفون فيه ، كما هو ثابت في كتب الفريقين . والتأويل إنّما يكون للظاهر لا للصريح الواضح .