تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٥٤٤
الأصْلُ :
.فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الْأَطْيَبِ الْأَطْهَرِ ، صَلّى اللّه ُ عَلَيهِ وآله وَسَلّم ، فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى ، وَعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى . وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللّه ِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ ، وَالْمُقْتَصُّ لِأَثَرِهِ . قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً ، وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً ، أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً ، وَأَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً ، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا ، وَعَلِمَ أَنَّ اللّه َ تَعَالَى أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ ، وَحَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ ، وَصَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ . وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلاَّ حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللّه ُ وَرَسُولُهُ ، وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللّه ُ وَرَسُولُهُ ، لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً للّه ، وَمُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللّه ِ تَعَالَى . وَلَقَدْ كَانَ ـ صَلَّى اللّه ُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ـ يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ ، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ ، وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ ، وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ ، وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ ، وَيَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ : يَا فُـلاَنَةُ ـ لاِءِحْدَى أَزْوَاجِهِ ـ غَيِّبِيهِ عَنِّي ، فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنَيَا وَزَخَارِفَهَا . فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ ، وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ ، لِكَيْلاَ يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً ، وَلاَ يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً ، وَلاَ يَرْجُوَ فِيهَا مُقَاماً ، فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ ، وَأَشْخَصَهَا ، عَنِ الْقَلْبِ ، وَغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ . وَكَذلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ ، وَأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ . وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللّه ِ ـ صَلَّى اللّه ُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ـ مَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسَاوِئِ الدُّنْيَا وَعُيُوبِهَا ، إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ ، وَزُوِيَتْ عَنْهُ زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمِ زُلْفَتِهِ . فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ : أَكْرَمَ اللّه ُ مُحَمَّداً ـ صَلَّى اللّه ُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسلّم ـ بِذلِكَ أَمْ أَهَانَهُ ؟! فَإِنْ قَالَ : أَهَانَهُ ، فَقَدْ كَذَبَ وَاللّه ِ الْعَظِيمِ ، وأتى بِالاْءِفْكِ الْعَظِيمِ ، وَإِنْ قَالَ : أَكْرَمَهُ ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللّه َ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ ، وَزَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ . فَتَأَسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ ، وَاقْتَصَّ أَثَرَهُ ، وَوَلَجَ مَوْلِجَهُ ، وَإِلاَّ فَلاَ يَأْمَنِ الْهَلَكَةَ ، فَإِنَّ اللّه َ جَعَلَ مُحَمَّداً ـ صَلَّى اللّه ُ عَلَيْهِ