تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٤٠٠
ثم شرع في استغفار اللّه سبحانه من كلّ ذنب ، وعبّر عن ذلك بقوله : « ممّا أحاط به علمُه ، وأحصاه كتابُه » ؛ لأ نّه تعالى عالم بكلّ شيء ، ومحيط بكلّ شيء ، وقد أوضح ذلك بقوله : « علْم غير قاصر ، وكتاب غير مغادر » ، أي غير مبقٍ شيئا لا يحصيه ، قال تعالى : « مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إلاَّ أَحْصَاهَا » [١] . ثم قال : « ونؤمن به إيمان مَنْ عاين وشاهد » ؛ لأنّ إيمان العيان أخلصُ وأوثق من إيمان الخبر ، فإنه ليس الخبر كالعِيان ؛ وهذا إشارة إلى إيمان العارفين الذين هو عليه السلام سيدُهم ورئيسهم ؛ ولذلك قال : « لو كشف الغِطاء ما ازددتُ يقينا » . وقوله : « تُصعدان القول » إشارة إلى قوله تعالى : « إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ » [٢] ، وروي : « تسعدان القول » بالسين ، أي هما شهادتان بالقلب يعاضدان الشهادة باللسان ، ويُسعدانها . ثم ذكر أنّهما شهادتان لا يخفّ ميزانٌ هما فيه ، ولا يثقلُ ميزان رفعا عنه . أمَّا إنه لا يثقلُ ميزانٌ رُفعا عنه ؛ فهذا لا كلام فيه ، وإنما الشأن في القضية الأُولى ؛ لأنّ ظاهر هذا القول يشعر بمذهب المرجئة الخلّص ؛ وهم أصحاب مقاتل بن سليمان ، القائلون إنّه لا يضرّ مع الشهادتين معصية أصلاً ، وإنه لا يدْخُل النّارَ مَنْ في قلبه ذَرّة من الإيمان ، فنقول في تأويل ذلك إنّه لم يحكم بهذا على مجرّد الشهادتين ، وإنّما حَكَم بهذا على شهادتين مقيّدتين ، قد وصفهما بأنهما يصعدان القول ، ويرفعان العمل ، وتانِك الشهادتان المقيّدتان بذلك القيْد ، إنما هما الشهادتان اللّتَان يقارنهما فعلُ الواجب وتجنّب القبيح ؛ لأ نّه إن لم يقارنْهما ذلك لم يَرْفعا العمل ، وإذا كان حكمه عليه السلام بعد خِفّة ميزان هما فيه ، إنما هو على شهادتيْن مقيّدتين لا مطلقتين ، فقد بطل قولُ مَنْ يجعل هذا الكلام حجّة للمرجئة . ثم أخذ في الوصاة بالتقوى ، وقال « إنها الزاد في الدنيا الذي يزوّد منه لسفر الآخرة وبها المعاذ ، مصدر من عُذْت بكذا ، أي لجأت إليه واعتصمت به . ثم وصفهما ـ أعني الزاد والمعاذ ـ فقال : « زاد مُبْلغ » ، أي يبلغُك المقصد والغاية التي تسافر إليها ، ومعاذ منجح ، أي يصادف عنده النجاح . دعا إليها أسمع داع ، يعني البارئ سبحانه ؛ لأ نّه أشدّ الأحياء إسماعاً لما يدعوهم إليه ، وروي : « دعا إليها أحسن داع » ، أي أحسن داع دعا ، ولا بدّ من تقدير هذا
[١] سورة الكهف ٤٩ .[٢] سورة فاطر ١٠ .