تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٨٦
الأصْلُ :
.هُوَ الَّذِي اشْتَدَّتْ نِقْمَتُهُ عَلَى أَعْدَائِهِ فِي سَعَةِ رَحْمَتِهِ ، وَاتَّسَعَتْ رَحْمَتُهُ لِأَوْلِيَائِهِ فِي شِدَّةِ نِقْمَتِهِ ، قَاهِرُ مَنْ عَازَّهُ ، وَمُدَمِّرُ مَنْ شَاقَّهُ ، وَمُذِلُّ مَنْ نَاوَاهُ ، وَغَالِبُ مَنْ عَادَاهُ . مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ ، وَمَنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ ، وَمَنْ أَقْرَضَهُ قَضَاهُ ، وَمَنْ شَكَرَهُ جَزَاهُ . عِبَادَ اللّه ِ ، زِنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزَنُوا ، وَحَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبُوا ، وَتَنَفَّسُوا قَبْلَ ضِيقِ الْخِنَاقِ ، وَانْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ السِّيَاقِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ منْهَا وَاعِظٌ وَزَاجِرٌ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا لاَ زَاجِرٌ وَلاَوَاعِظٌ .
الشّرْحُ :
يجوز نَقِمة ونِقْمَة ، مثل كَلِمة وكِلْمة ، ولَبِنة ولِبْنة ، ومعنى الكلام أ نّه مع كونه واسع الرحمة في نفس الأمر ، وأنه أرحم الراحمين ؛ فإنه شديد النقمة على أعدائه ؛ ومع كونه عظيم النقمة في نفس الأمر وكونه شديد العقاب فإنه واسع الرحمة لأوليائه . وعازّه ، أي غالبه ، وعَزَّه أي غلبه ، ومنه « وَعَزَّنِي في الْخِطَابِ » [١] ، وفي المثل « مَنْ عَزّ بَزّ » ، أي مَنْ غَلَب سلَب . والمدمِّر : المهلك ، دَمّره ودَمّر عليه بمعنىً ، أي أهلَكه . وشاقّه : عاداه ، قيل إنّ أصلَه من الشِّق وهو النِّصف ؛ لأنّ المعادي يأخذ في شِقّ والمعادى في شِقّ يقابله . وناواه ، أي عاداه ، واللفظة مهموزة ، وإنما ليَّنها لأجل القرينة السَّجعية ، وأصلها ناوأتُ الرجل مناوأة ونِواء ؛ ويقال في المثل : « إذا ناوأت الرجل فاصْبر » . قوله : « زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا » من الكلام الفصيح النادر اللطيف ، يقول : اعتبروا أعمالكم وأنتم مختارون قادرون على استدراك الفارط ، قبل أن يكون هذا الاعتبار فعلَ غيركم وأنتم لا تقدرون على استدراك الفارط ، ومثله قوله : « وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا » . ثم قال : « وتنفّسوا قبل ضيق الخناق » ، أي انتهزوا الفرصة ، واعملوا قبل أن يفوتَكم الأمر ، ويَجدّ بكم الرحيل ويقع الندم ، قال الشاعر :
[١] سورة ص ٢٣ .