تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٢٩٨
بمشيئته ، فكيف يستصعب عليه توجيهها لوجهتها ، وهو فرع من فروع وجودها وتابع له! ثم أعاد معانيَ القول الأول ، فقال : إنه أنشأ الأشياء بغير رويّة ولا فكرة ولا غريزة أضمر عليها خَلْق ما خلق عليها . ولا تجربة أفادها ، أي استفادها من حوادث مرّت عليه من قبْلُ ، كما تكسب التجارب علوما لم تكن ، ولا بمساعدة شريك أعانه عليها . فتمّ خلقُه بأمره إشارة إلى قوله : « ولم يَستصعب إذ أمر بالمضيِّ » ؛ فلما أثبت هناك كونها أُمِرت أعاد لفظ الأمر هاهنا ، والكلّ مجاز ، ومعناه نفوذ إرادته ، إذا شاء أمرا استحال ألاّ يقع ، وهذا المجاز هو المجازُ المستعمَل في قوله تعالى : « إنَّمَا أَمْرُه إذا أراد شيئا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » [١] ؛ تعبيرا بهذا اللفظ عن سرعة مواتاة الأُمور له ، وانقيادها تحت قدرته . ثم قال : ليس كالواحد منها يعترض دون مراده رَيْث وبط ء ، وتأخير والتوَاء . ثم قال : وأقام العِوج وأوضح الطريق ، وجمع بين الأُمور المتضادّة ، ألا ترى أنه جَمَع في بَدَن الحيوانات والنبات بين الكيفيات المتباينة المتنافرة ، من الحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، ووصلَ أسباب أنفسها بتعديل أمزجتها ؛ لأنّ اعتدال المزاج أو القرب من الاعتدال سببُ بقاء الروح ، وفَرّقها أجناسا مختلفات الحدود والأقدار ، والخلق والأخلاق والأشكال . أُمورٌ عجيبة بديعة مبتكرة الصنعة ، غير محتذٍ بها حَذْوَ صانع سابق ، بل مخلوقة على غير مثال ، قد أحكم سبحانه صنعها ، وخَلَقها على موجب ما أراد ، وأخرجها من العدم المحض إلى الوجود ، وهو معنى الابتداع ، فإنّ الخلق في الاصطلاح النظريّ على قسمين : أحدهما : صورة تخلق في مادة ، والثاني : ما لا مادّة له ، بل يكون وجودُ الثاني من الأول فقطْ، من غير توسّط المادة ، فالأول يسمّى التكوين ، والثاني يسمى الإبداع ، ومرتبة الإبداع أعلى من مرتبة التكوين .
الأصْلُ :
.ومنها في صفة السماء : وَنَظَمَ بِلاَ تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا ، وَلاَحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا ، وَوَشَّجَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِا ، وَذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ ، وَالصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ ، حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا ،
[١] سورة البقرة ١٤٨ .[٢] سورة فصّلت ١١ .[٣] سورة يس ٨٢ .