تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٦٥٢
.ومن خطبة له عليه السلام وَلَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللّه ِ ـ صَلَّى اللّه ُ عَلَيْهِ وسَلّم ـ وَإِنَّ رَأسَهُ لَعَلَى صَدْرِي . وَلَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّي ، فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي . وَلَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُ ـ صَلَّى اللّه ُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسلَّم ـ وَالْمَلاَئِكُةُ أَعْوَانِي ، فَضَجَّتِ الدَّارُ وَالْأَفْنِيَةُ ؛ مَلَأٌ يَهْبِطُ ، وَمَلَأٌ يَعْرُجُ ، وَمَا فَارَقَتْ سَمْعِي هَيْنَمَةٌ مِنْهُمْ ، يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَارَيْنَاهُ فِي ضَرِيحِهِ . فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيّاً وَمَيِّتاً؟ فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ ، وَلْتَصْدُقْ نِيَّاتُكُمْ فِي جِهَادِ عَدُوِّكُمْ . فَوَالَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ الْحَقِّ ، وَإِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّةِ الْبَاطِلِ . أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ ، وَأَسْتَغْفِرُ اللّه َ لِي وَلَكُمْ .
الشّرْحُ :
يمكن أن يعني بالمستحفَظين الخلفاء الذين تقدّموا ؛ لأنّهم الّذين استحفِظوا الإسلام ؛ أي جُعِلوا حافظين له ، وحارسين لشريعته ولحوزته ، ويجوز أن يعني به العلماء والفُضَلاء من الصّحابة ؛ لأنهم استحفِظوا الكتاب ، أي كُلِّفوا حفظَه وحراسته . والظاهر أنه يرمز في قوله عليه السلام : « لم أردّ على اللّه ، ولا على رسوله ساعة قطّ » إلى أُمور وقعتْ من غيره ، كما جرى يوم الحديبيَة عند سَطْر كتاب الصلح ؛ فإنّ بعض الصحابة [١] أنكر ذلك . قوله عليه السلام : « ولقد واسيتُه بنفسي » ، يقال : واسيته وآسيته ، وبالهمزة أفصح ، وهذا مما اختصّ عليه السلام بفضيلته غير مدافَع ، ثبت معه يوم أُحُد وفرّ الناس ، وثبت معه يوم حُنين وفرّ
[١] المنكر هو عمر بن الخطاب ، انظر سيرة ابن هشام ٣ : ٣٣١ ط . الحلبي . وذكر الواقدي في (مغازيه) ٢ : ٦٠٦ جعل عمر بن الخطاب يردُّ على رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم الكلام ، يقول ـ أي عمر ـ : علامَ نعطي الدنيّة في ديننا ؟ فجعل رسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلميقول : أنا رسول اللّه ولن يضيِّعني ، فقال : أولست كنتَ تحدِّثُنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال صلى الله عليه و آله وسلم : بلى ، فأخبرتك أنّا نأتيه هذا العام ؟ قال : لا ، قال صلى الله عليه و آله وسلم : فإنّك آتيه ومطوِّف به . انظر ، صحيح البخاري ٢ : ٩٧٨ / ح٢٥٨١ كتاب الشروط . وشرح النهج ١٢ : ٥٩ ثم ذكر الشارح أموراً ووقائع كثيرة من مخالفات عمر ومعارضاته لرسول اللّه صلى الله عليه و آله وسلم ، وحاول أن يجد لها مبررات تنسجم مع عقيدته ومذهب أصحابه .[٢] ذهب الشيخ المفيد أنّ المراد من ( سالت نفسه في كفّي ) خروج روحه ، قال : قبض النبي صلى الله عليه و آله ويد أمير المؤمنين عليه السلام اليمنى تحت حنكه ، ففاضت نفسه فيها فرفعها إلى وجهه فمسحه بها ، فعبّر بفيضان نفسه . الإرشاد: ص ١٠٠ ، وفي الصحاح للجوهري ٣ : ٩٩ ، قال : فاضت نفسه ، أي خرجت روحه . كانت السيدة عائشة تنسب هذه المكرمة ـ أي وفاة النبي صلى الله عليه و آله في حجر عليّ عليه السلام ـ إلى نفسها فكانت تحدِّث أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله مات بين سحرها ونحرها ، فاضطر عبد اللّه بن عباس إلى ردّها وتكذيبها . فعن ابن غطفان ، قال : سألت ابن عباس : أرأيت رسول اللّه صلى الله عليه و آله توفي ورأسه في حجر أحد ؟ قال : توفي وهو لمستند إلى صدر عليّ . قلتُ : فإنّ عروة حدّثني عن عائشة أنها قالت : توفي رسول اللّه صلى الله عليه و آله بين سحري ونحري ، فقال ابن عباس : أتعقل ! واللّه لتوفي رسول اللّه صلى الله عليه و آله وإنّه لمستند إلى صدر عليّ ، وهو الذي غسّله ... . انظر : طبقات ابن سعد ٢ ، قسم ٢ : ٦٢٦ . وأما قول الشارح : إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، قاء دماً يسيراً وقت موته ... الخ . أقول : هذا كلام يمجّه الطبع ويأباه الذوق ، وينفر منه العقل ، ولابد أن يحمل هذا الكلام على معنىً يليق بمقام النبوة .[٣] في الحديث كما في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام قال : لمّا قبض النبي صلى الله عليه و آله وسلم صلّت عليه الملائكة والمهاجرون والأنصار فوجاً فوجاً . أما الشارح المتعجب الذي أراد توفيقاً لم يتمّ له ، فهو يعلم أن أبابكر وغيره من الصحابة كانوا يتصارعون على الخلافة وسلطان محمد صلى الله عليه و آله وسلم في سقيفة بني ساعدة .