تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ١٩٤
.ومن كلام له عليه السلام مَا يَزِيدُنَا ذلِكَ إِلاَّ إِيمَانا وَتَسْلِيما ، وَمُضِيّا عَلَى اللَّقَمِ ، وَصَبْرا عَلَى مَضَضِ الْأَلَمِ ، وَجِدّا في جِهَادِ الْعَدُوِّ ؛ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَالآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا يَتَصَاوَلاَنِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ ، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا : أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ الْمَنُونِ ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا ، وَمَرَّةً لِعَدُوِّنا مِنَّا ، فَلَمَّا رَأَى اللّه ُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الإسْلاَمُ مُلْقِيا جِرَانَهُ ، وَمُتَبَوِّئا أَوْطَانَهُ . وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ ، مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ ، وَلاَ اخْضَرَّ لِلإِيمَانِ عُودٌ . وَايْمُ اللّه ِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَما ، وَلَتُتْبِعُنَّهَا نَدَما!
الشّرْحُ :
لَقَمُ الطريق : الجادّة الواضحة منها . والمَضَض : لذع الألم وبرحاؤه . والتَّصاول : أنْ يحمل كلُّ واحدٍ من القِرنين على صاحبه . والتخالس : التسالُب والانتهاب . والكبت : الإذلال . وجِران البعير : مقدّم عنقه . وتبوّأت المنزل : نزلته . ويقال لمن أسرف في الأمر : لَتحتلِبَنَّ دماً ، وأصله الناقة يُفْرَط في حَلْبها فيحلب الحالب الدم . وهذه ألفاظ مجازية من باب الاستعارة ؛ وهي : قوله : « استقرّ الإسلامُ ملقيا جِرانه » ، أي ثابتا متمكّنا ، كالبعير يلقى جِرانه على الأرض . وقوله : « متبوئا أوطانه » ، جعله كالجسم المستقرّ في وطنه ومكانه . وقوله : « ما قام للدين عمود » ، جعله كالبيت القائم على العُمُد . وقوله : ولا اخضرّ للإيمان عود » جعله كالشّجرة ذات الفروع والأغصان . فأمّا قتلهم الأقاربَ في ذات اللّه فكثير ؛ قتلَ عليّ عليه السلام الجمَّ الغفير من بني عبد مناف وبني عبد الدار في يوم بَدْر وأُحُد ؛ وهم عشيرته وبنو عَمِّه . وأمّا كَوْنُ الرجل منهم وقِرْنِه يتصاولان ويتخالسان ؛ فإنّ الحال كذلك كانت ؛ بارز عليّ عليه السلام الوليدَ بن عُتْبة ، وبارز طلحةَ بن أبي طلحة ، وبارز عمرو بن عبد وَدّ ؛ وقتل هؤلاء الأقران مبارزة ، وبارز كثيرا من الأبطالِ غيرهم وقَتَلهم ؛ وبارز جماعةٌ من شُجْعان الصحابة جماعةً من المشركين ؛ فمنهم مَنْ قُتِل ، ومنهم مَنْ قَتَل ، وكتب المغازي تتضمّن تفصيل ذلك .