تهذيب شرح نهج البلاغة لإبن أبي الحديد المعتزلي - الشریفي، عبدالهادي - الصفحة ٣٧٧
{ محاسن أصناف المغنين جمةٌ وما قصباتُ السَّبْق إلاّ لمعبد } من أراد أن يتعلّم الفصاحة والبلاغة ، ويعرف فضلَ الكلام بعضه على بعض ؛ فليتأمل هذه الخطبة ؛ فإن نسبتها إلى كلّ فصيح من الكلام ـ عدا كلام اللّه ورسوله ـ نسبة الكواكب المنيرة الفلكيّة إلى الحجارة المظلمة الأرضية ، ثم لينظر الناظر إلى ما عليها من البهاء ، والجلالة والرّواء ، والديباجة ، وما تحدثه من الروعة والرهبة ، والمخافة والخشية ؛ حتى لو تليتْ على زندِيق ملحد مصمّم على اعتقاد نفيِ البعث والنّشور لهدّت قواه ، وأرعبت قلبه ، وأضعفت على نفسه ، وزلزلت اعتقاده ، فجزى اللّه قائلها عن الإسلام أفضل ما جزى به وليّاً من أوليائه ؛ فما أبلغ نصرته له ؟! تارةً بيده وسيفه ، وتارة بلسانه ونطقه ، وتارة بقلبه وفكره ! إن قيل جهاد وحرب ، فهو سيّد المجاهدين والمحاربين ، وإن قيل وعظٌ وتذكير ، فهو أبلغُ الواعظين والمذكّرين ، وإن قيل فقهٌ وتفسير ، فهو رئيس الفقهاء والمفسّرين ، وإن قيل عدل وتوحيد ، فهو إمام أهل العدل والموحّدين : { ليس على اللّه بمستنكَرٍ أن يجمع العالم في واحدِ } ثم نعود إلى الشرح ، فنقول : قوله عليه السلام : « أسكنتهم سماواتك » ، لا يقتضى أنّ جميع الملائكة في السماوات ، فإنه قد ثبت أنّ الكرام الكاتبين في الأرض ، وإنما لم يقتض ذلك ؛ لأنّ قوله : « من ملائكة » ليس من صيغ العموم ؛ فإنه نكرة في سياق الإثبات . وقد قيل أيضا : إنّ ملائكة الأرض تعرُج إلى السماء ومسكنها بها ، ويتناوبون على أهل الأرض . قوله : «هم أعلمُ خَلْقك بك » ، ليسَ يعني به أنّهم يعلمون من ماهيته تعالى ما لا يعلمه البشر . [بل ، الوجه الذي يُحمل عليه قوله هذا ، هو] أنّهم يعلمون من تفاصيل مخلوقاته وتدبيراته ما لا يعلمه غيرهم ، كما يقال : وزير الملك أعلمُ بالملكِ من الرعية ، ليس المراد أ نّه أعلم بذاته وماهيّته ، بل بأفعاله وتدبيره ومراده وغرضه . قوله : « وأخوفهم لك » ؛ لأنّ قوّتي الشهوة والغضب مرفوعتان عنهم ، وهما منبع الشرّ ، وبهما يقع الطمع والإقدام على المعاصي . وأيضا فإنّ منهم مَنْ يشاهد الجَنّة والنار عياناً ، فيكون أخوفَ ؛ لأ نّه ليس الخبر كالعيان . قوله : « وأقربهم منك » لا يريد القربَ المكانيّ ؛ لأ نّه تعالى منزّه عن المكان والجهة ، بل المراد كثرة الثواب وزيادة التعظيم والتبجيل . ثمّ نَبّه على مزيّة لهم تقتضِي أفضليّةَ جنسِهم على جنْس البشر ؛ بمعنى الأشرفيّة ، لا بمعنى زيادة الثواب ، وهو قوله : « لم يسكنُوا الأصلاب ولم يضمَّنوا الأرحام ، ولم يخلقوا من ماء مَهِين ، ولم يتشعّبهم ريبُ